ضحكة لورينزو التي كانت تملأ البيت رسوم,,اته المعلقة على باب الثلاجة صوته الصغير وهو يناديه في الثالثة صباحا بعد كابوس عابر يده حين كان يركض نحوه متعثرا في خطواته الأولى اضطر إلى إغلاق عينيه كي لا ينهار هناك في منتصف هذا الزقاق الغريب الذي لم يكن يعرفه قبل ساعات. سأل بصوت مرتجف وهو يلتقط أنفاسه هل تسكنين بعيدا من هنا ردت الفتاة بابتسامة خجولة البيت قريب عند تلك الزاوية فقط. في تلك اللحظة لثانية واحدة فقط خطر له أن يستدير ويهرب.
ماذا لو لم يكن ابنه ماذا لو كان وهما جديدا يزيد جراحه وماذا لو كانت قسوة القدر قد قررت أن تعبث به مرة أخرى لكن حين التقت عيناه عينيها الطفوليتين ورأى فيهما صدقا فطريا لا يشبه شك الكبار ولا كذبهم أدرك أنه لا يستطيع التراجع. قال بصوت ثقيل كأنه يخرج من بئر عميقة هل يمكنك أن تأخذيني إليه أريد فقط أن أراه. إن كنت مخطئا سأرحل ولن أعود. ترددت الفتاة عضت شفتها كمن يخشى أن يجرح أحدا
أمي قد تغض,,ب. همس هرنان كمن يتوسل الحياة نفسها لا تقلقي لن أؤذي أحدا. فقط فقط أريد أن أعرف إن كان ابني. حدقت فيه لثوان بدت له دهرا. ثم أومأت ببطء شديد كأن شجاعة صغيرة كانت نائمة في ص,,درها قد استيقظت فجأة حسنا اتبعني. انطلقت تمشي أمامه في الأزقة الضيقة بخفة غريبة بالنسبة لفتاة حافية القدمين تتجنب البرك والحصى كأنها تعرف كل زاوية في هذا الحي حفظا. كان اسمها أماليا. أما هرنان فكان يتبعها بقلب يكاد يحطم أضلعه من شدة خفقانه.
البدلة التي كانت تمنحه شعورا بالقوة في مكتبه الفخم صارت الآن عبئا ثقيلا سخيفا وسط هذه البيوت المتواضعة ذات النوافذ الصدئة. قالت أماليا دون أن تنظر إليه هو أحيانا يتحدث عن أرجوحة حمراء. توقفت خطواته فجأة. الأرجوحة الحمراء أرجوحة حديقة منزله التي كان لورينزو يصر يوميا على التأرجح عليها قبل الغروب. تابعت وعن سيارة سوداء تص,,در صوتا عاليا. كاد ينهار. السيارة السوداء كانت سيارته. شعر بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله وبأن العالم ضاق حتى أصبح مجرد نقطة ترتجف. همس يخاطب نفسه
إنه هو لا بد أنه هو. ضاق الطريق أكثر وصارت البيوت أقرب إلى بعضها حتى أشارت أماليا إلى منزل صغير ذي جدران متشققة ونوافذ زرقاء اللون تتقشر عنها طبقات الطلاء كجلد قديم. قالت بهدوء نحن نسكن هنا. وفي تلك اللحظة تأكد هرنان أنه على وشك مواجهة حقيقة أكبر من قدرته على الاحتمال حقيقة ستغير حياته إلى الأبد سواء وجد ابنه خلف هذا الباب أم لم يجده.
نظر إليها هرنان كما لو كانت تقف على عتبة تفصل الجنة عن الجحيم بوابة قد تعيده إلى الحياة أو تلقي به في هاوية جديدة. أخذ نفسا طويلا شد معطفه حول جسده كمن يستعد لمواجهة مصير مجهول ثم ترك نفسه يقاد نحو الباب. كانت البوابة الحديدية تئن حين دفعتها أماليا صوتها ينسل في قلبه مثل نذير لا يعرف إن كان خيرا أم شرا. في الداخل ظهرت امرأة تنتظر في غرفة الجلوس البسيطة كلوديا. ما إن التقت عيناها بعينيه حتى تجمد الهواء بينهما. للحظة بدت امرأة عادية متعبة بيدين مشققتين من العمل بملامح تنطق بحياة متواضعة لا تحمل شيئا من الخطر.
لكن ما إن رأت هرنان حتى تبدل شيء في ملامحها. اتسعت عيناها ارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة وانق,,بضت أص,,ابعها كأنها تحاول إخفاء سر ثقيل. قال هرنان محاولا الحفاظ على هدوئه مساء الخير أعتقدبل أرجوأن يكون ابني هنا. أطلقت كلوديا ضحكة قصيرة متوترة كأنها خرجت رغما عنها ابنك لا لا أنت مخطئ. لا يوجد هنا أي أطفال سوى ابنتي. خطت أماليا خطوة صغيرة إلى الأمام تتشبث بثوب أمها وهي تقول بحيرة لكن يا أمي الولد قاطعتها كلوديا بحدة فجائية جعلت الهواء يبرد
أماليا ادخلي الآن. لم تتحرك الفتاة. بقيت واقفة وعيناها تمتلئان قلقا وخوف,,ا من شيء لم تفهمه بعد. قال هرنان بصوت متوسل يكاد ينكسر سيدتي أرجوك. أحتاج فقط أن أراه. دقيقة واحدة. إن كنت مخطئا سأغادر ولن تريني بعد اليوم. ردت وهي تعقد ذراعيها بقسوة قلت لك لا يوجد أطفال هنا. اذهب وابحث في مكان آخر. ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة ارتد صداها في أرجاء الحارة الضيقة كأنها ض,,ربة موجهة إلى قلبه مباشرة. وقف هرنان في الخارج يكاد ينهار ينظر إلى الباب المغلق بق,,بضتين مشدودتين وروح ممزقة ومطعونة بالأمل.
ومن خلف الباباستطاع سماع بكاء أماليا وهمسات أمها وهي تحاول إسكاتها. هزته الأصوات حتى كاد يسقط على ركبتيه. التقط أحد الملصقات الذي سقط من يده ثم همس لنفسه بقسم لم يشهده أحد إنها تكذب لورينزو هنا. سأعود ولو كلفني ذلك حياتي. لكنه لم يكن يعلم أن الحقيقة كانت تتكشف في تلك اللحظة بالذات. في الطابق العلوي صعدت أماليا السلالم بخطوات مرتجفة وقلبها يخفق كطبول الحرب. لم تر أمها يوما بهذه العصبية بهذه القسوة التي جعلت البيت باردا كأنه بيت غريب لا تنتمي إليه.
دفعت باب الغرفة الصغيرة فرأت هو. كان يجلس في زاوية ضيقة ظهره محني دفتره في حجره أص,,ابعه ملوثة بالجرافيت وعيناه غارقتان في خوف دام شهورا. همست كمن ينطق اسمه لأول مرة لورينزو رفع الطفل رأسه ببطء وكأن مجرد سماع اسمه جريمة. تمتم بصوت يخشى أن يسمعه الهواء أمي قالت لي أن أبقى ساكتا أن لا أص,,در صوتا. تقدمت نحوه بسرعة باندفاع ودموعها تسيل ذلك الرجل الذي كان في الأسفل قال إنه أبوك. وأنت أنت تناديه في أحلامك كل ليلة.
اتسعت عينا الطفل بالحيرة وارتعشت شفتاه لكن أمي قالت إن أبي م,,ات وإنه لم يحبني أبدا. طع,,نتها الكلم,,ات لم تكن موجهة إليها لكنها اخترقت روحها. شعرت أن شيئا يتصدع في ص,,درها كأن حياتها بالكامل كانت مبنية على أرض كاذبة. ولأول مرة أدركت أن ما تخفيه أمها ليس مجرد كذب عابر. بل شيئا مظل,,ما شيء لم تتخيله أبدا. تلك الليلة لم تستطع النوم. كل خطوة لكلوديا في الممر كل همسة كل نفس كان يجعلها تشعر أنها تعيش في مسرحية كئيبة لا أحد فيها حقيقي إلا هي ولورينزو.
وفي اللحظة التي بلغ فيها التوتر ذروته اكتشفت ذلك التفصيل الصغير لوح خشبي مفكوك في أرضية غرفة أمها. بقلب مرتجف رفعت اللوح لتجد دفترا قديما ملفوف,,ا في منديل. فتحته وهي تتوقع رسائل حب قديمة أو ذكريات ماضية لكنها وجدت شيئا آخر تماما. صفحات مليئة بأسماء تواريخ أرقام وملاحظات. سجلات. قوائم. وقفت عيناها عند اسم واحد كأنه صاعقة لورينزو ه. تجمدت. شعرت أن العالم كله توقف معها. لورينزو صديقها. الطفل الذي ينام على بعد خطوات منها.
الطفل نفسه الذي رأته في ملصقات المفقودين التي يحملها الرجل الغريب بعينيه الغارقتين في الحزن.




