
انقطع التسجيل. كأن حد قصه عمدًا. قعدنا ثواني محدش بيتكلم. ثم سألت أبويا إيه علاقته بالكلام ده؟ جوزي كان شاحبًا بشكل مرعب. وقال أنا… أنا ماكنتش أعرف موضوع الأرض. المحامي سأل فورًا فيه أرض كانت باسم والدها؟ وفجأة افتكرت. من أكتر من عشر سنين. جدي الله يرحمه كان سايب قطعة أرض زراعية صغيرة. واتقسمت بين الورثة. وأبويا كان دايمًا يقول إن فيه أوراق ناقصة تخص نصيبي. لكن بعدها الموضوع اختفى من الكلام تمامًا. المحامي طلب رقم أبويا فورًا.
واتصل بيه. وبعد أقل من ساعة… كان أبويا داخل المكتب. أول ما سمع جزء من التسجيل… وشه اصفر. وقعد على الكرسي كأنه فقد توازنه. قلت بخوف بابا… إيه اللي تعرفه؟ سكت طويلًا. ثم قال كنت مستني أقولك في الوقت المناسب. قلبي وقع. تقولي إيه؟ تنهد وقال الأرض اللي ورثتيها زمان… ما كانتش قطعة أرض عادية. كل الموجودين بصوا له. وأكمل قبل سنتين اتعمل طريق جديد قريب منها. وسعرها زاد عشرات المرات. المحامي سأله يعني قيمتها كام تقريبًا؟
رد بصوت منخفض آخر عرض وصل كان أكبر من قيمة البيت كله بخمس مرات. شعرت أن الصورة بدأت تتضح. نهى. حماتي. الورق. محاولة نقل الملكية. الطلاق المفاجئ. كل شيء بدأ يركب فوق بعضه. لكن الصدمة الأخيرة جاءت من أبي. لأنه أخرج ظرفًا قديمًا من حقيبته. ووضعه أمامي. وقال فيه حاجة احتفظت بيها سنين. فتحت الظرف بيد مرتجفة. وفي الداخل كانت صورة قديمة جدًا. صورة عمرها أكثر من عشرين سنة. لكن أول ما رأيتها… شهقت. لأن الشخص الواقف بجوار
حماتي في الصورة… كان والد نهى. والأغرب من ذلك أن الصورة كانت في مناسبة عائلية قديمة جدًا. مناسبة تدل أنهم كانوا يعرفون بعضهم منذ سنوات طويلة قبل أن أعرف أنا أو أتزوج أصلًا. رفعت عيني نحو أبي. فقال بهدوء نهى ما دخلتش حياتك صدفة… وفي تلك اللحظة بالذات، جاء اتصال من رقم مجهول. رد المحامي على مكبر الصوت. وجاء صوت امرأة تبكي أنا مش هقدر أعيش بالسر ده أكتر من كده… ثم قالت اسمها. وكان الاسم كافيًا ليصيب الجميع بالذهول.
أنا… أخت نهى. وأضافت فيه حاجة لازم تعرفوها الليلة… لأن بكرة ممكن يكون فات الأوان. يتبع… بصيت للتاريخ وأنا مش فاهمة. سألت ابني فورًا يعني إيه التاريخ ده؟ رد عليّ برسالة واحدة ادخلي على صورك في اليوم ده. قلبي بدأ يدق بسرعة. فتحت معرض الصور. ودورت على التاريخ. ولقيت صورة كنت مصوراها يومها في شغلي. فاكرة اليوم كويس. كنت مسافرة مؤتمر يومين برا المحافظة. وتركت البيت وأنا مطمنة. لكن لما رجعت للصورة، لاحظت حاجة غريبة.
كان وقت التصوير الساعة 817 مساءً. وفي نفس اللحظة تقريبًا، ابني بعتلي صورة من كاميرا قديمة كان مخزنها عنده. الصورة كانت من باب البيت. والتوقيت… 816 مساءً. وفيها نهى داخلة البيت. بمفتاح. مش بتخبط. ولا بتستأذن. بمفتاح. فضلت أبص للصورة وأنا مش مستوعبة. نهى كان معاها مفتاح بيتي؟ إزاي؟ ومن إمتى؟ لكن ابني كتب بعدها كنت صغير وقتها ومفهمتش. بس بعد اللي حصل، افتكرت كل حاجة. وبدأ يحكي. قال إنه أكتر من مرة كان يصحى من النوم يلاقي
نهى موجودة في البيت وقت غيابي. وكان أبوه يقوله خالتك جاية تساعدني في شغل. ومع الوقت اعتبر الموضوع عادي. لكن بعد اعتراف أبوه بالخـ,ـيانة، بدأ يربط الأحداث ببعضها. هنا فهمت إن الكذبة ما كانتش وليدة 8 شهور. ولا حتى 4 سنين. كانت حياة كاملة مبنية على الخداع. وفي اليوم التالي، جوزي أخيرًا بعت رسالة بنفسه. أول رسالة منذ ما خرجت. كان مكتوب فيها ممكن نتقابل؟ ضحكت بسخرية. بعد كل ده؟ لكن فضولي غلبني. وافقت. واتفقنا نتقابل في مكتب محامي.
دخل وهو شكله مرهق جدًا. أول ما شافني قال أنا غلطت. قلت بهدوء عارفة. قال ومستعد أسيب نهى. ابتسمت. ولأول مرة قاطعته. متأخر. سكت. ثم قال هي ضحكت عليّ. رديت يمكن. لكن إنت ما كنتش ضحية. سكت تاني. وبعدين نطق بالجملة اللي قلبت اللقاء كله في حاجة لازم تعرفيها عن نهى. رفعت حاجبي. فقال هي كانت بتسجل كل حاجة. كل حاجة بينا. وهددتني إنها لو سبتها هتفضحني. في اللحظة دي رن تليفونه. نظر للشاشة… واتغير لون وشه بالكامل.
وقام واقف فجأة. قلت مين؟ بصلي بصدمة وقال نهى. ثم همس عرفت إننا اتقابلنا. وبعد ثوانٍ وصل على هاتفه ملف صوتي جديد. لكن لما فتحه… ما كانش تسجيل ليه هو. كان تسجيل لمحادثة بين نهى… وحماتي. محادثة ما كانش المفروض أي حد يسمعها. وأول جملة خرجت من حماتي في التسجيل كانت لازم نخلّص من مرات ابني قبل ما تعرف الحقيقة كلها… وهنا أدركت أن الخيـ,ـانة لم تكن من شخصين فقط… وأن السر الأكبر ما زال مخفيًا.
يتبع…سكت المكتب كله. حتى أنفاسنا كانت مسموعة. وأخت نهى على الخط كانت بتبكي بشكل هستيري. المحامي قال بهدوء اتكلمي… إيه اللي لازم نعرفه؟ ردت بصوت متقطع نهى كذبت عليكم كلكم. أنا اتجمدت. قلت يعني إيه؟ قالت العلاقة بينها وبين جوزك كانت حقيقية… بس ده مش الهدف الأساسي. المحامي قرب من السماعة. وأبويا شد على ذراع الكرسي. وأكملت الهدف من البداية كان الميراث. شعرت أن قلبي توقف لثانية. ثم قالت أبويا الله يرحمه كان عليه ديون كبيرة جدًا.
ولما عرف إن أرض جدك بقت بمبالغ ضخمة، بدأ يدور على طريقة يقرب بيها من العيلة. سكتت لحظة. ثم أضافت ولما مات… نهى كملت اللي بدأه. أبويا أغلق عينيه بقوة. وكأنه كان يشك في شيء مشابه من سنوات. لكن أخت نهى لم تنتهِ. قالت فيه دفتر قديم عندي. دفتر كان أبويا بيكتب فيه كل حاجة. سألتها بسرعة وإيه اللي فيه؟ ردت أسماء. وتواريخ. وخطة كاملة. ثم أضافت الجملة التي أصابتنا جميعًا بالذهول وفيه اسم حماتك من أكتر من 18 سنة.
ساد صمت ثقيل. 18 سنة؟ يعني قبل زواجي أصلًا. قبل ما أعرف جوزي. قبل كل شيء. المحامي قال الدفتر فين؟ قالت معايا. بس فيه مشكلة. نهى عرفت إني ناوية أتكلم. شعرت بقلق مفاجئ. وسألتها إنتِ فين دلوقتي؟ ردت في الطريق. ثم فجأة… انقطع الخط. مرة واحدة. بدون أي مقدمات. اتصلنا مرة. واتنين. وعشرة. لكن هاتفها كان مغلقًا. مرت ساعة كاملة. ثم ساعتان. ولا أي خبر. وفي منتصف الليل تقريبًا… وصلت رسالة على هاتف المحامي. كانت صورة فقط.
لا يوجد أي كلام. فتحنا الصورة. وكانت لدفتر قديم فعلًا. صفحة واحدة منه. لكن الصفحة كانت واضحة بما يكفي. في أعلى الصفحة مكتوب بخط يد مشروع الأرض. وتحتها عدة أسماء. اسم والد نهى. واسم حماتي. وأسماء أخرى. لكن الاسم الأخير في القائمة… هو اللي خلانا كلنا ننظر إلى جوزي في نفس اللحظة. لأن الاسم كان اسمه هو. رفع رأسه ببطء. وكانت الصدمة على وجهه حقيقية. وقال أقسم بالله… أول مرة أشوف الدفتر ده. لكن قبل أن يشرح أكثر…
رن هاتف المحامي. رقم غير معروف. رد. وجاء صوت رجل غريب يقول لو كنتم عايزين تشوفوا أخت نهى حية… ثم سكت لثوانٍ. وأكمل تعالوا للمكان المكتوب في الرسالة اللي هتبعت حالًا. ووصلت الرسالة في نفس الثانية. ولما فتحنا الموقع المرسل… اكتشفنا أنه مكان مهجور على أطراف المدينة. مكان له علاقة مباشرة بسر قديم جدًا… بدأ قبل عشرين سنة. يتبع… نظرنا لبعضنا في صمت. المحامي كان أول واحد يتكلم مفيش حد يروح لوحده. أما أنا فكان كل تفكيري في أخت نهى.
هل فعلًا مخطوفة؟ ولا دي فخ جديد؟ بعد دقائق، كنا في الطريق. أنا وأبويا والمحامي وجوزي. المكان كان مخزنًا قديمًا مهجورًا على أطراف المدينة. الباب الحديدي كان نصف مفتوح. والظلام يملأ المكان. أول ما دخلنا، سمعنا صوتًا خافتًا هنا… جرينا ناحية الصوت. ولقينا أخت نهى مربوطة على كرسي. لكنها كانت سليمة. فككنا قيودها بسرعة. وأول ما وقفت قالت الدفتر مش معايا. المحامي سأل أمال فين؟ قالت خدته نهى. ثم أضافت لكن صورت كل صفحاته قبل ما تاخده.
وأخرجت فلاشة صغيرة من جيبها. في تلك اللحظة تحديدًا… سمعنا صوت سيارة تنطلق بسرعة خارج المخزن. جرينا للخارج. لكن كان فات الأوان. السيارة اختفت. رجعنا للمكتب فورًا. وشغلنا الملفات الموجودة على الفلاشة. كانت صورًا لعشرات الصفحات. ملاحظات. تواريخ. أسماء. ومعاملات مالية. لكن كلما قلبنا الصفحات، اتضح شيء مهم لم يكن هناك تنظيم عصابة أو مؤامرة ضخمة كما تخيلنا. بل شبكة من المصالح والديون والطمع. أشخاص حاولوا الاقتراب من العائلة على مدار سنوات لأسباب مالية، ثم استغلت نهى بعض هذه العلاقات عندما كبرت.
أما حماتي، فكانت تعرف والد نهى قديمًا بسبب معاملات عائلية وأموال، لكنها لم تكن العقل المدبر كما بدا من التسجيل المبتور. ثم وصلنا إلى آخر صفحة. وهناك كانت الملاحظة الأخيرة إذا فشلت كل المحاولات، انسحبوا. سكت الجميع. لأن المعنى كان واضحًا. كل ما حدث كان مدفوعًا بالجشع. لكن القرار الأخير بالخـ,ـيانة كان قرار نهى وجوزي وحدهما. التفتُّ إلى جوزي. كان جالسًا مطأطئ الرأس. لا أعذار. لا تبريرات. لا أحد أجبره على الكذب. ولا على الخيانة.
ولا على هدم بيته بنفسه. بعد أسابيع من التحقيقات القانونية ومراجعة الأوراق، ثبت أن ممتلكاتي ما زالت باسمي، وأن أي محاولات سابقة لنقلها لم تكتمل قانونيًا. أما نهى، فاختفت فترة قصيرة قبل أن تظهر لاحقًا وتواجه نتائج أفعالها القانونية والمدنية. وفي يوم هادئ بعد شهور… كنت جالسة في شرفة شقتي الجديدة. أشرب القهوة. وأتأمل الشمس وهي تغرب. رن هاتفي. كان جوزي السابق. تركت الهاتف يرن. ثم يرن. ثم يتوقف. نظرت إلى الشاشة للحظة. ثم أغلقتها بهدوء.
لأن بعض الأبواب لا تُغلق بالصراخ… بل تُغلق عندما تدرك أن العودة إليها لم تعد تعني شيئًا. النهاية.




