روايات

دخل طفلٌ يحمل عملاتٍ باردة… فخرج العالم كلّه أدفأ من قبل

تقدم الحارس مانونغ كاردو بخطوات مترددة وعيناه محمرتان. خلع قبعته وضمها إلى صدره وقال سامحني يا بني. حكمت عليك دون أن أعرفك. لدي ابن أيضا واليوم تعلمت درسا. نظر إليه بوبوي بصمت ثم أومأ برأسه ببطء. طلبت السيدة كارلا الهدوء ونادت مساعدها أحضر ظرفا كبيرا. وضعت فيه المال كله وقدمته لبوبوي وقالت هذا ليس إحسانا بل هدية جماعية لشخص ذكرنا بسبب إنسانيتنا. هز بوبوي رأسه وقد غلبه التأثر وقال لا أعرف ماذا أقول ابتسمت المديرة وقالت

إذا لا تقل شيئا. فقط اعدني بشيء. ما هو ألا تسمح للعالم أن ينتزع منك هذا القلب. شد بوبوي شفتيه وأومأ بقوة. في تلك الليلة داخل بيت خشبي صغير على ضفة النهر كان بوبوي يسير ذهابا وإيابا. كانت العلبة الحمراء على الطاولة مغلقة. وفي الخارج كانت الأمطار تضـ,ـرب سقف الزنك. كانت والدته ألينغ روزا تجلس على كرسي بلاستيكي تخيط قميصا قديما تحت ضوء مصباح خافت. قال بوبوي بتوتر أمي نعم يا بني غدا عيد ميلادك أليس كذلك

ابتسمت بتعب وقالت نعم لكن لا تشغل بالك. سلامتك تكفيني. ابتلع بوبوي ريقه ثم اقترب ووضع العلبة بين يديها. أغمضي عينيك. فعلت ذلك ففتح العلبة برفق وعلق العقد في عنقها. يمكنك أن تنظري الآن. ما إن وقعت عيناها على القلادة حتى تجمد الزمن. لا هذا مستحيل ارتجفت يداها وهي تلمس العقد تعرف كل تفصيل فيه. بوبوي من أين جئت بهذا خفض رأسه وقال استعدته لك. انهمرت دموعها وضمت ابنها بقوة كأنها تريد أن تذوب فيه.

ظننت أنني فقدته إلى الأبد هل تعلم كم تألمت عندما رهنته أعلم يا أمي. لذلك كان يجب أن يعود. نظرت إليه وقالت ماذا فعلت لتحصل على المال تردد لحظة ثم قال عملت. ضمته مجددا وبكت بحرقة خليطا من الذنب والفخر. سامحني لأنني حملتك أكثر مما يحتمل عمرك. هز رأسه وقال لا يكون الحمل ثقيلا إذا كان من أجلك. في اليوم التالي حدث ما لم يكن في الحسبان. توقفت سيارة سوداء أمام محل المجوهرات. نزل منها رجل مسن ببدلة بسيطة وهيبة واضحة.

كان أنطونيو فيلاسكو مالك المتجر الذي نادرا ما يزور المكان. استقبلته السيدة كارلا بدهشة. قال سمعت قصة مثيرة للاهتمام عن طفل. أجابت ليست مثيرة فقط بل ملهمة. وسردت له القصة كاملة. صمت الرجل طويلا ثم سأل أين يعيش الطفل في ذلك المساء طرق باب بيت بوبوي. فتحت ألينغ روزا بحذر فإذا بالسيدة كارلا والسيد فيلاسكو يقفان أمامها. قال الرجل بانحناءة خفيفة نعتذر عن الإزعاج. جئنا من أجل بوبوي. ظهر الطفل خلف أمه متوترا. قالت المديرة بسرعة مبتسمة

ليس في ورطة. جلسوا جميعا في صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الريح الخفيفة المتسللة من نافذة قديمة. راح السيد فيلاسكو يتأمل البيت المتواضع بعين هادئة الأرض الخشبية التي حملت آثار السنين والجدران البالية التي شهدت تعبا وصبرا أكثر مما شهدت راحة. لم يكن في المكان شيء لافت ومع ذلك شعر أنه يقف أمام ثراء من نوع آخر. تنفس بعمق ثم قال أخيرا بنبرة صادقة بوبوي هل تحب أن تذهب إلى المدرسة اتسعت عينا الطفل دهشة وكأن السؤال جاء من عالم بعيد ثم أجاب بسرعة امتزج فيها الحلم بالحذر

بالطبع يا سيدي هذا ما أتمناه دائما لكننا لا نستطيع قاطعه الرجل بهدوء حاسم أنا أستطيع. تعليم كامل وملابس وكتب وطعام كل ما تحتاجه لتكون طفلا يتعلم لا طفلا يقلق على الغد. نهضت الأم فجأة وكأن الكلمات أثقل من أن تحتمل وكأن العرض الذي سمعته أكبر من قدرتها على التصديق. ارتجف صوتها وهي تقول بتردد صادق لا يمكننا قبول هذا إنه كثير أكثر مما نحتمل وأكثر مما نستحق. ابتسم السيد فيلاسكو ابتسامة هادئة لا تحمل شفقة ولا تعاليا بل فهما عميقا وقال بنبرة مطمئنة

ليس فضلا بل استثمار. رفعت الأم نظرها إليه وقد انعقد حاجباها دهشة وحذرا وسألته محاولة أن تفهم استثمار في ماذا أجاب دون تردد وكأن الجواب ظل يرافقه سنوات طويلة في طفل أثبت وهو في هذا العمر أنه يستحق أن يمنح فرصة. نظرت الأم إلى ابنها ونظر هو إليها. في عينيهما خوف صامت من المجهول من التغيير من الأمل ذاته لكن خلف ذلك الخوف كان يقف نور خافت أمل خجول يشبه ضوءا صغيرا في نهاية نفق طال السير فيه.

سألت أخيرا وقد غلبها التأثر وصار صوتها أقرب إلى الهمس ولماذا تفعل هذا تنفس الرجل بعمق وكأنه يستدعي ذكرى دفينة لم تزل حية في قلبه ثم قال ببطء لأن أحدا لم يفعل ذلك من أجلي عندما كنت في عمره. وتوقف لحظة ثم أضاف ولأن هذا الطفل دون أن يدري ذكرني بما يجعلنا بشرا حقا قبل أن يجعلنا المال أرقاما. أخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها ببطء واحترام فإذا بقلادة قديمة تشبه قلادة الأم وقد بهت لونها لكن معناها ظل حيا.

قال بصوت خافت يحمل وجع السنين أمي رهنت هذه القلادة عندما كنت طفلا. لم أستطع استعادتها. ماتت وهي تظن أنها فشلت وأنها قصرت. ثم نظر إلى بوبوي مباشرة نظرة طويلة صادقة وقال اليوم وبفضلك أغلقت جـ,ـرحا ظل مفتوحا خمسين عاما. لم تتمالك ألينغ روزا نفسها فانهمرت دموعها بصمت. لم تكن دموع ضعف بل دموع امتنان وارتياح وشعور نادر بأن الدنيا رغم قسـ,ـوتها قد تنصف أحيانا. مرت السنوات. كبر بوبوي عاما بعد عام ومع كل سنة كان يكبر داخله شيء آخر لا يرى بالعين وعي عميق بالمسؤولية.

درس واجتهد لا بدافع التفوق وحده بل وفاء لكل يد امتدت إليه يوم كان ضعيفا. ولم ينس يوما من أين جاء ولا كيف بدأ ولا تلك اللحظة التي وقف فيها طفلا أمام واجهة زجاجية بعملات باردة وقلب ساخن بالإصرار. لم يتعامل مع الفرصة التي أعطيت له على أنها امتياز يفاخر به ولا كنعمة عابرة بل حملها كأمانة ثقيلة يخشى أن يفرط فيها أو يسيء حملها. كان يدرك في أعماقه أن ما ناله لم يكن مجرد دعم مادي بل ثقة والثقة أثقل من المال.

كان يعود كل أسبوع إلى البيت مهما ازدحمت أيامه ليساعد أمه ويجلس معها ويستمع إلى تفاصيلها الصغيرة. وكان يخرج أحيانا ليجمع القوارير الفارغة لا حاجة ولا فقرا بل تواضعا وتذكيرا للنفس بأن الإنسان إن نسي بداياته خسر نفسه قبل أن يخسر غيره. كان يقول في سره الكرامة لا تقاس بالمكانة ولا بالقيمة في أعين الناس بل بالصدق مع الذات. صار شابا متفوقا لكن تفوقه لم يكن أرقاما في كشوف الدرجات فقط. عرفه أساتذته بأخلاقه قبل علمه وبهدوئه قبل طموحه وبإصراره قبل نجاحه.

كان من أولئك الذين يدخلون القاعة دون ضجيج لكن حضورهم يترك أثرا لا يمحى. وفي يوم تخرجه الجامعي صعد إلى المنصة بوصفه الأول على دفعته. وقف هناك بثبات كتفاه مستقيمتان وعيناه تحملان أكثر مما تستطيع الكلمات قوله. كان وجهه هادئا لكن قلبه كان ممتلئا بكل الحكايات التي أوصلته إلى تلك اللحظة بأيام التعب الطويلة وبالعملات الباردة التي جرحت يديه ذات يوم وبالقلادة التي أعادت إليه معنى الحياة ومعنى أن يكون للوجع نهاية. في صفوف الحضور جلست ألينغ روزا ترتدي العقد يلمع حول عنقها كما لم يلمع من قبل لا لقيمته المادية بل لقيمته الإنسانية.

كانت تلمسه بين حين وآخر وكأنها تتأكد أن كل ما مر لم يكن حلما. وقفت السيدة كارلا تصفق والدموع في عينيها فخورة بأنها كانت في لحظة ما جزءا من هذا الطريق الطويل. وبكى الحارس المتقاعد مانونغ كاردو دون خجل وقد أدرك أخيرا أن الحكم على الناس من مظهرهم كان أثقل خطأ تعلم درسه متأخرا لكنه تعلمه. وفي الصف الأول جلس السيد فيلاسكو صامتا يبتسم بهدوء وكأن شيئا ناقصا في روحه قد اكتمل أخيرا وكأن الدائرة التي بدأت قبل خمسين عاما قد أغلقت أخيرا.

أمسك بوبوي بالميكروفون ونظر إلى القاعة نظرة شاملة ثم قال بصوت ثابت لا يعرف الادعاء ولا التكلف هذا النجاح ليس لي وحدي. هو لأم ضحت بكل شيء دون أن تطلب شيئا ولأشخاص قرروا أن يروا ما وراء المظهر ولمحل مجوهرات تعلمت فيه أن القيمة الحقيقية لا تلمع دائما لكنها أثقل من الذهب. ومرت السنوات. عاد بوبوي إلى متجر رويال. لا زبونا يبحث عن شيء ولا طفلا يحمل خوفه بل شريكا يحمل الاسم نفسه لكن بروح جديدة وروح تعرف معنى العدل قبل الربح.

وعلقت على الجدار لوحة صغيرة كتب عليها هنا لا نحكم على المظهر هنا نصغي إلى القصص. وكان بوبوي في كل مرة يدخل طفل إلى المتجر يضغط بين كفيه عملات باردة كأنها آخر ما يملكه في هذا العالم أول من يترك مكانه ويتقدم نحوه. لم يكن يندفع بدافع الفضول ولا بدافع الشفقة ولا لأن الموقف يذكره بماض مؤلم فحسب بل لأن شيئا داخله كان يعرف تماما معنى تلك الخطوات المترددة ومعنى ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الكلام.

لم يكن يسأله عما يملك ولا عما ينقصه ولا يحاسبه على مظهره ولا يحمله نظرات ثقيلة تشعره بأنه أقل من الآخرين. لم يكن يريد أن يمنحه صدقة تثقله ولا تعاطفا عابرا ينتهي عند باب المتجر. كان يجلس بقربه بهدوء على مستوى عينيه تماما ليكسر ذلك الحاجز الخفي بين الكبار والصغار بين القوي والضعيف بين من يملك ومن لا يملك. كان ينظر إليه نظرة صادقة بلا استعجال ولا حكم ثم يقول بصوت منخفض كأنه يخاطب نفسه القديمة

احك لي قصتك. وكان يعرف أن القصص حين تروى بصدق تكون أثقل من أي مال وأصدق من أي اعتذار وأقرب إلى الشفاء من ألف وعد. كان يعرف أن الطفل الذي يحمل عملات باردة لا يبحث دائما عمن يعدها بل عمن يعترف بإنسانيته ويمنحه حق أن يسمع. ولهذا كان يبتسم كلما سمع حكاية جديدة لأن كل حكاية كانت تذكره بأن الطريق الذي بدأ بعملات معدنية صغيرة قد انتهى بقلب واسع قادر على الاحتواء. لأنه كان يعلم أكثر من أي شخص

أن أصغر العملات لا تشتري أحيانا مجرد أشياء بل تفتح أبوابا مغلقة وتعيد كرامات منسية وتصنع معجزات لا تقاس بالذهب بل بالإنسان.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى