روايات

لحمة حماتي ١ حكايات زهرة  

بعد ما أبويا وأخويا نزلوا بالشنطة الكبيرة، والباب اتقفل وراهم، حسيت كأن جبل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت كان فيه غُصة في حلقي وكسوف مش قادر أداريه. رانيا مراتي كانت لسه قايلة يا هادي من ولادة صعبة، وال 16 كيلو لحمة دول كانوا هدية من حماتي عشان ترِم عضمها زي ما بنقول بالفلاحي. بس هتقول إيه بقى؟ حكم القوي، وأبويا حط طاعته ورضاه في كفة، وكام كيلو لحمة في كفة تانية.

دخلت أوضة النوم براحة وخطواتي تقيلة، كنت مكسوف أبص في عينيها. فتحت الباب بالراحة لقيت الأوضة هادية تماماً، والسرير عليه رانيا وبنتنا الصغيرة نايمين في سلام. رانيا كانت نايمة من التعب، ملامحها باين عليها الإرهاق بتاع السهر مع البنت. قعدت على طرف السرير وبصيت لها، قولت في نفسي الحمد لله إنها نامت ومأخدتش بالها من الخنـ,ـاقة اللي حصلت بره، مش ناقصة نكد وكسوف مع أول يوم ترجع فيه بيتها. ميرضانيش أصحيها وهي في أمسّ

الحاجة للراحة، فغطيتها كويس، وبست راس بنتي، وخرجت قعدت في الصالة وعقلي بيلف يا ترى هجيب تمن اللحمة دي منين الصبح؟ مصاريف الولادة والمستشفى والسبوع دمرت الميزانية.. بس يالا، كله يهون عشان نشتري خاطر أبويا وميبقاش زعلان. المفاجأة في الفجر الوقت سـ,ـرقني ونمت مكاني على الكنبة من كتر التفكير والتعب، ومصحيتش غير على الفجر على صوت خبط خفيف على الباب، وصوت حركة تحت في بيت عيلتي. قمت مفـ,ـزوع، فتحت الباب لقيت أخويا تامر الصغير واقف وساند على الباب وبيبتسم وبإيده حلة كبيرة متغطية، وريحة اللحمة والشوربة قالية السلم كله، ريحة قوية جداً وطاغية.

تامر قالي وهو بيوشوشني إمسك يا أبو حميد.. أبويا وأمي قعدوا ومصبروش، وأمي قامت طبخت حتة دين لحمة، مفيش بعد كده! وأبويا قالي اطلّع لأخوك ومراته نابهم وصحيهم يدوقوا اللحمة الطازة دي.. دي دايبة دوب يا راجل، احنا أكلنا لما اتكبسنا! أنا أخدت منه الحلة وأنا محرج ومكسوف، وقولتله تسلم إيد أمك يا تامر.. بس مش قولتلكوا اصبروا أسبوع؟ تامر ضحك واستهزأ بكلامي وهو نازل أسبوع إيه يا عم! اللحمة زي القشطة وأهي في بطننا وزي الفل.. يلا بالهنا والشفا.

قفلت الباب ودخلت المطبخ حطيت الحلة، وكنت لسه هقعد، لقيت رانيا خرجت من الأوضة وهي بتفرك في عينيها من النوم، وبتبص للحلة وبعدين بصتلي وقالت إيه الريحة دي يا أحمد؟ وباب الشقة كان بيخبط ليه على الفجر كده؟ هنا نزل راسي في الأرض بكسوف حقيقي، ومكنتش عارف أودي وشي منها فين. فركت إيدي ببعض وقولتلها بصوت واطي بصي يا رانيا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. بس أبويا الحاج عبد العزيز لما جه يباركلك، شاف شنطة اللحمة اللي مامتك بعتاها.. وبصراحة كده يعني.. أخدها!

رانيا برقت عينيها وقالت باستغراب أخدها؟ أخدها فين؟ دي 16 كيلو! قولتلها وأنا بحاول أهديها أخدها ونزل بيها تحت لأمي.. وقال إنه مشتاق للحمة النضيفة دي هو وإخواتي، وحلف عليا يمين ليتبرأ مني لو منزلتش. . بس متخـ,ـافيش، والله من أول الصبح هانزل للمعلم عطوه وأشتري لك بدالها أحسن حتة لحمة في المحل.. والشنطة اللي نزلوها، هما طبخوا منها وبعتولنا نابنا أهو في الحلة دي. الصـ,ـدمة والرعـ,ـب

أنا كنت فاكر إن رانيا هتزعل على اللحمة أو تتخانق معايا عشان مدافعتش عن حاجتها، بس الرد فعل اللي شفته منها ركّب الرعـ,ـب في ركبي! رانيا وشها اتخـ,ـطف تماماً، وبقى أبيض زي الورقة، وعينيها برقت لدرجة خـ,ـوفتني، وسابتني وطلعت تجري على المطبخ فتحت الحلة وبصت للحمة المستوية والشوربة، وصرخت بأعلى صوتها وهي بتلـ,ـطم على وشها يالهوي!!! طبخوها وأكلوها؟! قوللي إنك بتهزر يا أحمد!! أكلوا منها بجد؟! أنا جريت عليها وأنا مش فاهم حاجة ولقيت قلبي بيدق بسرعة:

— “في إيه يا بنتي؟ صلي على النبي في سرك! أيوة طبخوها وتامر أخويا لسه قايلي إنهم أكلوا وشبعوا وبعتولنا الحلة دي.. في إيه مالك؟ اللحمة مالها؟!” رانيا مسكتني من قميصي وهي بتبكي بهستـ,ـيريا وجسمها كله بيتنفض: — “امشي اجري.. اجري قولهم يرجعوا اللي في بطنهم! اجري قولهم مياكلوش تاني.. يالهوي على المصـ,ـيبة.. اللحمة دي سـ,ـم.. اللحمة دي ميـ,ـتة بمرض!!” أنا اتسـ,ـمرت في مكاني، وعقلي وقف عن التفكير: — “مرض إيه وسـ,ـم إيه؟ دي مامتك اللي بعتاها معاكي!”

زعقت رانيا وهي بتعيط وبتشد في شعرها من الصدمة: — “اسمعني يا أحمد! أنت ناسي إني شغالة فني معمل تحاليل بيطرية وفي وزارة الزراعة؟ أنا لما كنت عند أمي في فترة الولادة الشهر اللي فات، حصلت مصـ,ـيبة في المزرعة بتاعة أمي وبتاعت الجيران.. المواشي والبهائم بدأت تمـ,ـوت ورا بعض فجأة وبدون أي مقدمات ولا أعراض واضحة! حيوانات كاملة وصحتها بومب تقع تمـ,ـوت في ثواني! الدكاترة والمفتشين احتاروا، وأمي كانت هتيجي لها جلطة من خـ,ـراب البيوت.. فانا قولت لازم أتصرف.”

مسحت دموعها وهي بتتنفس بصعوبة وكملت: — “أنا وزملائي في المعمل أخدنا عينات، والـ 16 كيلو دول بالذات، أنا اللي قطعتهم من كذا ذبـ,ـيحة من الحيوانات اللي مـ,ـاتت فجأة دي.. أخدتهم عشان أدخلهم المعمل المركزي بتاع الوزارة الأسبوع الجاي لما أرجع من الإجازة عشان نعمل تحليل أنسجة دقيق جداً ونعرف إيه الفيـ,ـروس أو المرض الغامض اللي مـ,ـوتهم، ولحد دلوقتي بنشك في سلالة نادرة وقـ,ـاتلة من (الجمـ,ـرة الخبيـ,ـثة) أو تسـ,ـمم دـ,ـموي حاد بينتقل للبشر فوراً!” أنا ركبي خبطت في بعض، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا:

— “يا نهار أسود.. يا نهار أسود! وطالما هي مصـ,ـيبة كده مجمداها في الفريزر ليه وعامله حسابك تاخديها المعمل؟!” قالتلي وهي بتصرخ: — “لأني مكنتش قادرة أشيلهم في معمل التحاليل وأنا لسه والدة وتعبانة، قولت أخليهم في الفريزر عندي هنا كام يوم لحد ما أنزل الشغل.. وخفت جداً لإنك تفتكرها لحمة عادية وتطبخ منها أو تدّي حد منها، فكتبت

الورقة دي وحطيتها جوه الكيس وقولت (محدش يلمسها غير بعد أسبوع) لغاية ما أكون أنا نزلت الشغل وأخدتها بنفسي للمشـ,ـرحة والمعمل وأفهمك القصة.. مكنتش أتخيل أبدًا إن أبوك هيدخل يتسحب وياخدها من وراك!! أبوك وإخواتك في خطر يا أحمد.. اللحمة دي مسـ,ـمومة ومرضها قـ,ـاتل!!” النزول إلى الجحـ,ـيم الكلام نزل عليا زي الصاعقة. مسمعتش باقي كلام رانيا، فتحت باب الشقة وطلعت أجري على السلم زي المجنون، بنزل درجات السلم تلاتة تلاتة وأنا بصرخ بـ أعلى صوتي: “يا بابا!! يا تامر!! يا أمي!!”

وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بـ إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بـ إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة.. مش أصوات ناس صاحية ومرتاحة.. دي كانت أصوات أنين، وصريخ مكتوم، وصوت تفرير وترجيع رهيب! الباب مكنش مقفول بالترباس، زقيته بكل قوتي واتفتح معايا. أول ما دخلت الصالة، شوفت منظر عمري ما هنساه في حياتي.. منظر يوقف الدم في العروق!

أبويا الحاج عبد العزيز كان واقع في الأرض جمب الكنبة، ماسك بطنه بـ إيديه الاتنين، وبيتلوى زي الدبيـ,ـحة، ووشه بقى أزرق تماماً وعروق رقبته ناطرة ونازل منه عرق بغزارة وهو بيصرخ بصوت مبحوح: “آآآه.. بطني.. بطني بتتقطع يا أحمد.. الحقني يا ابني بطني بنار!!” وعلى الناحية التانية، أخويا تامر اللي كان من شوية بيبتسم ويديني الحلة، كان ساند راسه على الحيطة وبيقـ,ـاتل عشان يتنفس، والترجيع مغرق المكان حواليه، وجسمه كله بيتنفض زي اللي لابساه كهربا. وأمي جوه في المطبخ نايمة على الأرض وبتئن بصوت واطي وضعيف جداً كأنها بتمـ,ـوت.

اللحمة المـ,ـلعونة كانت أسرع مما نتخيل، السـ,ـموم والفيـ,ـروسات اللي في أنسجة الحيوانات الميـ,ـتة تفاعلت مع النار وطلعت سموم قـ,ـاتلة هجـ,ـمت على أجهزتهم الهضمية وعملت لهم تسمم دموي حاد وفشل مفاجئ! سباق مع المـ,ـوت في ثواني، كانت رانيا حصلتني وهي شايلة بنتنا، ووشها مليان رعب بس ثباتها كـ “بنت معمل ودكتورة” خلاها تتصرف بسرعة. صرخت فيا: — “أحمد!! مفيش وقت للبكاء! كلم الإسعاف فوراً وقولهم (حالة تسمم جماعي واشتباه جمرة خبيثة) عشان يجيبوا معاهم المحاليل ومضادات السـ,ـموم الصح! وبسرعة هيروشولهم مية بملح وخليهم يرجعوا كل اللي في بطنهم مفيش

دقيقة تضيع!” بقيت أتحرك زي الروبوت من كتر الصدمة.. كلمت الإسعاف وأنا بصيح وأبكي في التليفون، وبقيت أساعد رانيا إننا نخليهم يطـ,ـردوا كل الأكل اللي أكلوه، بس الحالة كانت بتتدهور بسرعة البرق. أبويا بدأ يفقد الوعي وعينيه تقلب لفوق، وتامر أخويا بدأ يجيله تشنجات. بعد عشر دقائق كانت أطول من سنين عمري، وصلت عربيتين إسعاف، والمسعفين دخلوا بالنقالات والكمامات بعد ما رانيا بلغتهم بنوع الاشـ,ـتباه. شالوا أبويا وأمي وتامر، وخدوهم على المستشفى المركزي، ودخلوا فوراً العناية المركزة وقسم السـ,ـموم، وتم عمل غسيل معدة عاجل وضخ مضادات حيوية قوية جداً في الدـ,ـم.

النهاية والعبرة قعدنا في طرقة المستشفى أنا ورانيا يومين كاملين على أعصابنا، بين الحياة والمـ,ـوت، الدكاترة قالوا لنا لو كانت مرت ساعة كمان من غير نقلهم المستشفى، كان زمانهم كلهم في عداد الأمـ,ـوات بسبب سرعة انتشار البكتيريا في الدم. الحمد لله، ربنا كتب لهم عمر جديد بعد عذاب وتعب قعدوا فيه في المستشفى أكتر من أسبوعين تحت الملاحظة والعزل، لحد ما اتأكدوا إن جسمهم اتخلص من السموم تماماً.

أبويا الحاج عبد العزيز خرج من التجربة دي شخص تاني خالص. لما رجع البيت وبص في وشي وفي وش رانيا، عينيه دمعت، ومسك إيد رانيا وبـ,ـاسها وقالها: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي جهلي وطمعي وعنادي كانوا هيضيعوا بيتي وعيالي.. أنا قولت عليكي موسوسة ومستخسرة، وطلعتي أنتي اللي أنقذتي حياتنا بعد ربنا”. ومن يومها، اتعلمنا كلنا درس عمري ما هنساه: إن الكلمة والنصيحة من صاحب الشأن لازم تحترم، وإن “الورقة الصغيرة” اللي بنستهتر بيها، ممكن تكون هي الخط الفاصل بين الحياة.. والمـ,ـوت.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى