
ظهر إيدي اللي كان دايماً لونه قمحي ومظبوط، كان فيه بقعة بيضا كبيرة، بياضها غريب وشاذ، بياض يشبه بالظبط البقع اللي شوفتها على كوع هيام من كام شهر! بربشت بعيني كذا مرة.. قولت لنفسي أكيد ده تأثير الشمس، أو يمكن ده حلم، كابوس وهصحى منه. قمت من السرير زي المجنون، جسمي كله كان بيرتعش ورجلي مش شيلاني. جريت على حمام الأوضة، وقفت قدام المراية الكبيرة اللي كنت بقف قدامها بالساعات أظبط شعري ولبسي. أول ما رفعت راسي وبصيت في المراية.. صرخت صرخة مكتومة، والدنيا لفت بيا، واسودت تماماً في عيني، ووقعت على الأرض فاقد الوعي.
مش عارف عدى وقت قد إيه وأنا مرمي على أرضية الحمام الساقعة. فقت وأنا كلي عرق، وجسمي بينتفض من الرعب. زحفت على ركبي ورفعت راسي للمراية تاني، وأنا بتمنى من كل قلبي إن اللي شوفت يكون هلاوس. لكن الحقيقة المرة كانت واقفة قدامي بكل قسوة. البقعة مكنتش في إيدي وبس؛ نص وشي الشمال، من عند فكي وطالع لحد خدي، كان متغطى ببقع بيضا، لونها واضح وصريح ومتداخل مع لوني الأصلي بشكل مرعب. أنا.. أحمد.. الشاب الوسيم اللي مبيقبلش غلطة في مظهرة، بقيت “مبرقش”. بقيت النسخة اللي كنت بقرف منها وأهرب من وجودها!
قعدت على الأرض أعيط بهستيريا.. عياط عمري ما عيطته في حياتي. كنت بصرخ وبخبط راسي في الحيطة. “يارب لأ! مستحيل! أنا؟ ليه أنا؟!”. افتكرت كلام الدكتور وهو بيقول إنه مرض مناعي، وافتكرت كلامي القاسي لهيام: “أنا بحب المناظر المريحة للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده”. كلامي رجع يدوي في ودني كأنه كرباج بيجلدني. هل دي عقوبة سريعة وفورية من ربنا؟ هل ذنب دموع هيام وقهرتها خلص مني في أقل من 24 ساعة؟
لبست نضارة شمسية كبيرة، ورفعت ياقة القميص عشان أداري وشي، ونزلت جري على نفس الدكتور اللي روحتله مع هيام. كنت بجرى في الشارع وأنا حاسس إن كل الناس بتبص عليا، وكل العيون موجهة ليا، مع إن مفيش حد فاهم حاجة. الإحساس بالخوف والارتياب اللي كنت بسببه لهيام، بقيت أنا اللي عايش فيه في لحظتها. دخلت للدكتور من غير حجز، ودخلت الأوضة وأنا بنهج. أول ما قلعت النضارة، الدكتور بصلي بذهول الدكتور بصلي بذهول، وقام من على مكتبه وقرب مني. كشف عليا بدقة، وساد الصمت في الأوضة لدقائق كانت كأنها سنين.
لفت الدكتور ليا وبصلي بنظرة كلها أسى، وقال نفس الجملة: “للاسف يا أحمد.. ده بهاق، ونشط جداً”. مسكته من بالتو الدكتور وأنا بصرخ: “بهاق إيه يا دكتور؟! أنت مش قولت إنه مش معدي؟! أنا عديتها؟ أنا جالي منها؟!”. الدكتور شد إيدي براحة وقعدني، وقال بصوت هادي وفيه لوم: “هو مش معدي فعلاً يا أحمد، وعمرك ما هتاخده منها. البهاق جينات كامنة في الجسم، والصدمات النفسية الشديدة أو الضغط العصبي الحاد والزعل هما اللي بيفجروه. أنت كنت تحت ضغط وعصبية وتفكير الفترة اللي فاتت؟”.
نزلت إيدي واستسلمت تماماً. ضغط؟ زعل؟ أنا اللي عملت في نفسي كده! أنا اللي قهرت إنسانة ملهاش ذنب، والذنب والندم والخوف اللي كنت بداريهم ورا كبريائي وقسوتي، هما اللي فجروا المرض في جسمي. خرجت من العيادة وأنا بجر رجل الهزيمة ورايا. مرت الأسابيع، وحياتي اتحولت لجحيم حقيقي. التجربة اللي عيشتها لهيام، بقيت بشرب منها كل يوم كاسات مريرة. مبقتش قادر أنزل الشغل. قدمت على إجازة مفتوحة، وقعدت في الشقة لوحدي، قافل الشيش والستاير، وعايش في ضلمة كاحلة. مكنتش بطيق أشوف نفسي في المراية، لدرجة إني جبت ملايات سرير وغطيت بيها كل مرايات الشقة.
أصحابي كانوا بيتصلوا بيا عشان نخرج، وكنت بقفل تليفوني بالرابطة. مكنتش قادر أواجه نظرات الفضول والأسئلة اللي أنا نفسي كنت خايف منها لما كنت مع هيام. كنت بفتكر لما صاحباتها سألوها في الفرح وإزاي أنا سيبتها وهربت، وكنت بدمع وأنا بسأل نفسي: “لو أنا خرجت دلوقتي وحد سألني.. مين هيقف جمبي ومين هيسندني؟”. الإجابة كانت دايماً: مفيش حد. أنا وحيد تماماً، وربنا حرمني من الست اللي كانت ممكن تشيلني في رمش عيونها لو العكس هو اللي حصل.
البهاق بدأ ينتشر أكتر؛ ظهر في رقبتي وفي إيدي التانية. بقيت كل يوم الصبح أصحى أدور على بقعة جديدة، وكل بقعة بتظهر كانت بتاكل حتة من كبريائي وغروري القديم. عرفت وقتها إن الجمال ده قشرة خارجية ملهاش أي قيمة، وإن الروح هي اللي بتدوم، بس بعد إيه؟ بعد ما خسرت كل حاجة. بعد حوالي ست شهور من العزلة التامة، وفقدان الشغف في كل حاجة، تليفوني رن. كان المتصل هو صاحبي الانتيم، اللي كانت مراته صاحبة هيام. ردت عليه بصوت مجهد وتعبان.
قال لي: “أحمد.. أنت فين يا ابني؟ بقالك شهور مختفي ومحدش عارف عنك حاجة، لدرجة إننا قلقنا عليك جداً. في إيه؟”. حاولت أداري وقولتله: “مفيش.. شوية تعب وضغط في الشغل ومقضيها نوم”. قال لي بصوت متردد: “طب.. أنا كنت عايز أقولك حاجة.. أنا عرفت إنك طلقت هيام من فترة.. بس كنت عايز أقولك إن هيام النهاردة بتفتتح الجاليري بتاعها، معرض الرسم اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها. أصحابها كلهم رايحين يدعموها، وأنا قولت لازم أبلغك، جايز تحب تروح أو تصلح اللي انكسر”.
أول ما سمعت اسم “هيام”، قلبي دق بسرعة. معرض رسم؟ هيام رجعت لحلمها؟ نزلت التليفون وأنا في حالة ذهول. أنا هنا بمو.ت في ضلمتي، وهي قدرت تقوم وتقف على رجليها وتواجه الدنيا. حسيت برغبة عارمة إني أشوفها.. مش عشان أرجع لها، لأني عارف إني مستاهلهاش، بس عشان أشوف إزاي قدرت تنتصر على الوجع اللي أنا سبتهولها. لبست قميص بكم طويل، وحطيت كاب على راسي ونزلت النضارة على عيني عشان أداري البقع اللي في وشي، وروحت على عنوان الجاليري.
وقفت بعيد، وسط الزحمة، ومستخبي ورا عمود إنارة في الشارع المقابل. كنت ببص من الإزاز الكبير بتاع القاعة. وجوا.. شوفتها! كانت واقفة زي الملكة. لابة فستان شيك جداً، ورافعة شعرها لفوق. البهاق كان انتشر في إيديها ورقبتها وحتت من وشها، بس الغريب.. إنها مكنتش حاطة أي مكياج يداريه! كانت سايبة بشرتها على طبيعتها، والبقع البيضا ممتزجة مع بشرتها وكأنها لوحة فنية مرسومة بعناية. ملامحها كانت بتشع ثقة وقوة، وضحكتها اللي وحشتني كانت منورة المكان كله. الناس كانت بتلف حواليها، بيباركوا لها ويبصوا لها بإعجاب وانبهار مش بشكل المرض، بل بشخصيتها ونجاحها وفنها.
في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي الدكتور قالها زمان وملحقتش استوعبها.. هيام فعلاً كانت “لوحة فنية”، بس أنا اللي كنت أعمى ومش شايف غير القشرة. هيام بمرضها كانت أجمل بمليون مرة مني وأنا بكامل صحتي وغروري. وفجأة، وهي بتلف وب تضحك مع الناس، عيونها جت ناحية الإزاز.. وبصت في اتجاهي. أنا اتجمدت في مكاني. بالرغم من الكاب والنضارة والضلمة اللي كنت واقف فيها، حسيت إنها عرفتني. نزلت نضارتي ببطء، وبصيت لها.. وشوفت نظرة عيونها.
مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة هادية جداً.. نظرة شخص اتخطى الوجع وساب الماضي وراه ومبقاش يفرق معاه. بصت للبقع اللي في وشي برحمة وشقفه، وهزت راسها بابتسامة خفيفة ومكسورة، ولفت ضهرها ورجعت تتكلم مع ضيوفها. اللفة دي.. وظهرها اللي ادهولي، كان هو الإعلان الرسمي لنهاية أي أمل ليا في الحياة دي معاها. رجعت بيتي وأنا بعيط، بس المرة دي مكنش عياط خوف من المرض، كان عياط ندم على خسارة الجوهرة اللي كانت في إيدي ورميتها في التراب عشان مظاهر كدابة.
دخلت الشقة، وشيلت الملايات اللي كانت مغطية المرايات كلها. وقفت قدام وشي المبرقش، وبصيت لنفسي بجرأة لأول مرة من شهور. قولت لنفسي: “ده شكلك الجديد يا أحمد.. وده درسك اللي هتعيش بيه لحد ما تمو.ت. ربنا مبيظلمش حد، واللي بيجرح قلوب الناس بالظاهر، ربنا بيك.سر كبريائه بنفس السلاح”.
من اليوم ده، قررت أخرج من ضلمتي. مش عشان أرجع زي زمان، لأ، عشان أتعلم أعيش حقيقتي الجديدة. نزلت شغلي، واجهت نظرات الناس كلها واستحملت أسئلتهم بقلب راضي صابر، وبقيت كل ما أبص لإيدي وللبقع اللي فيها، ببتسم وأقول: “سبحان المقتدر.. يمهل ولا يهمل”. وعرفت متأخر جداً، إن الجمال الحقيقي عمره ما كان في لون البشرة ولا في مظهر الهدوم.. الجمال هو نظافة الروح، والرحمة اللي بنعامل بيها غيرنا لما الدنيا بتجور عليهم.




