
صناديق بريد من الطوب. شجر قديم. أنوار البيوت منورة حتى بعد الظهر. بيته كان قريب من آخر الشارع، بشيش أبيض، وتراس واسع، وستاير مقفولة للآخر. هدوء زيادة عن اللزوم. ركنت جنب الرصيف. قبل ما أوصل للمشاية حتى، راجل عجوز جري عليا من الشارع التاني. كان عنده حوالي تمانين سنة، رفيع ومتوتر، وبيتحرك زي شخص كان مستني حد معين يوصل. أنت تقرب للست اللي في البيت ده؟ قلت له دي مراتي، فاروق الشناوي. عم حلمي. يا دوب سلم عليا بالإيد وشاور على بيت كريم لازم تطلب الإسعاف حالا قبل ما تدخل جوه.
إيدي راحت على تليفوني علطول. إيه اللي حصل؟ عينه راحت على شبابيك الدور اللي فوق. من تلات أيام، شفت مراتك من الشباك الأمامي. كانت قاعدة على ترابيزة المطبخ ومش قادرة ترفع راسها. وبعدين اتزحلقت من على الكرسي ووقعت. كل حاجة حواليا كأنها ضاقت. عم حلمي قال نديت على ابنك. قال لي إنها كويسة. قال إنها شربت حاجة تقيلة مع العشا. بس أنا فضلت مراقب لحوالي ساعة. مفيش حد ساعدها تقوم من على الأرض. زوري اتقفل.
إيه تاني؟ طلبت مساعدة طبية على أي حال. المسعفين جوم. ابنك قابلهم عند الباب وقال لهم إنها اتكلمت مع دكتور خلاص. وقال إن الموضوع اتمهد. فمشيو. الشارع كله كان كأنه ساكت. أديت الموظف العنوان والتفاصيل بصوت قصير ومتحكم، الصوت اللي تلاتين سنة شغل في الشرطة حفروا فيا. مراتي اتشافت وهي غايبة عن الوعي. ما ردتش على مكالمات بقالها أيام. وكنت حاسس إنها محتاج رعاية طبية عاجلة. بعدها رحت للباب الأمامي. كريم فتح قبل ما أخبط مرتين.
قال وهو بيبربش كأني قاطعته بابا، ما كنتش أعرف إنك جاي. أمك فين؟ هي فوق بتستريح. كانت تعبانة. بسمة كانت بتهتم ب… عديت من جنبه. بابا، استنى. ما استنيتش. البيت كان ريحته دهان جديد، وكرتون، وحاجة مسكرة جاية من المطبخ. الكراتين كانت مالية الطرقة، بس مفيش حاجة مكركبة كفاية تشرح أربعة أيام من السكوت. في نص السلم، بسمة ظهرت بلوفر ناعم، شعرها مترتب، وتعبيرات وشها هادية ومدروسة. قالت عم فاروق، أنت خضيتنا. ماجدة فين؟ هي نايمة. طلبت محدش يزعجها.
بصيت لها. مراتي ما ردتش عليا بقالها أربعة أيام. كريم جه ورايا. بابا، أنت بتكبر الموضوع أكتر من حجمه. الجملة دي غيرت حاجة جوايا. لأني سمعت نسخ منها قبل كده. لما كريم كان بيعوز فلوس. لما كريم كان بيعوز سماح. لما كريم كان عايزنا نطنش مشكلة تانية. أنت بتفكر زيادة عن اللزوم. أنت بتعمل دراما. أنت مش فاهم الأمور صعبة إزاي دلوقتي. كملت مشي. لقيت ماجدة في أوضة الضيوف اللي فوق. الستاير كانت مقفولة. الهواء كان مكتوم. كانت نايمة تحت البطاطين ومش باين منها غير وشها بس، وفي اللحظة اللي شفتها فيها، كل عذر كريم قاله لي انهار.
كان شكلها أصغر. أبهت. كأن في حاجة بتسحبها مني بالراحة في حين إن كل اللي تحت كانوا بيتدربوا على تبريراتهم. عنيها فتحت لما نورت اللمبة. عينها جت في عيني. همست فاروق. الراحة اللي كانت على وشها كانت أوحش من الخوف. لأنها كانت معناه إنها كانت مستنية. قعدت جنبها وأخدت إيدها. قلت لها أنا هنا، المساعدة جاية. ورايا، كريم اتكلم من عند الباب. كان عندها رد فعل من حاجة. كنا بنتصرف. لفيت لابني. ما كنتش بزعق.
ما كنتش بترعش. استخدمت الصوت اللي كنت بستخدمه لسنين لما الكدب بيدخل الأوضة وهو عامل نفسه اهتمام. ما تنطقش ولا كلمة تانية. الإسعاف وصلت بعد دقايق. كريم وبسمة فضلو على التراس. ما جوش ورانا المستشفى. دي كانت اللحظة اللي بطلت فيها أفكر كزوج مرعوب بس، وبدأت ألاحظ ك الراجل اللي كنت عليه زمان. الستاير المقفولة. التليفون الضايع. الجار اللي كانوا يتمنوا محدش يصدقه. الشربات المسكر اللي ماجدة قالت إن بسمة كانت بتجيبه لها كل ليلة.
والطريقة اللي كريم كان بيبص بيها عليا من على السلم الأمامي وأبواب الإسعاف بتقفل. مش قلقان. مقفوش. حكايات صافي هاني أبرز المعجبين الإسعاف خدت ماجدة على عجل، وأنا ماسك إيدها لحد آخر لحظة، كأني لو سبتها هتختفي من تاني. في العربية، المسعف كان بيكلم في جهاز اللاسلكي بصوت هادي، بس كل كلمة كانت بتخبط في دماغي زي مطر تقيل ضغطها منخفض محتاجة سوائل فورًا احتمال جفاف شديد أو تسمم خفيف. التسمم. الكلمة دي مرّت قدامي كأنها غريبة، لكن قلبي ما استغربهاش.
بصيت لها. وشها كان ساكن، لكن مش ميت كان فيه حاجة غامضة، كأنها بتحاول تقاوم حتى وهي نايمة. وصلنا المستشفى، والدكاترة دخلوا بيها على طول. وقالوا لي أستنى برّه. برّه. الكلمة اللي بقت بتتكرر كتير في حياتي اليومين دول. قعدت على الكرسي الحديد، وإيدي مش بتبطل تتحرك في بعضها. كل حاجة كانت بتيجي في دماغي بشكل متقطع كريم بسمة السكوت الستاير المقفولة كلام الراجل العجوز اطلب الإسعاف قبل ما تدخل البيت. وبين كل ده، صورة ماجدة وهي بتضحك وهي بترتب البيت قبل ما تسافر.
بعد ساعة، الدكتور خرج. كان شاب، ملامحه مرهقة، وكأنه شاف حاجة مش مريحة. قال هي لسه تحت الملاحظة في مادة مهدئة قوية في جسمها، مش مجرد إجهاد. سكت لحظة. وبعدين كمل فيه حاجة مش مفهومة الجرعة مش منتظمة. كأنها كانت بتتاخد تدريجيًا. حسيت الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليا. تدريجيًا؟ هز راسه لازم نعرف هي وصلت لها إزاي. سألته بصوت واطي هي في خطر؟ قال لو اتأخرت شوية أكتر، كانت دخلت في غيبوبة. غيبوبة. مشيت في الممر من غير ما أبص ورايا. الممر كان طويل بشكل مستفز، وكل خطوة كنت بحسها بتقرّبني من حاجة أنا مش عايز أشوفها بس لازم.
وقفت قدام شباك صغير بيطل على أوضة العناية. ماجدة كانت نايمة، موصلة بأجهزة. لكن اللي شدني مش هي اللي شدني إن الممرضة كانت بتغير المحلول وفي زجاجة صغيرة جنبها، مكتوب عليها اسم دواء مهدئ. دواء مش من بروتوكول الحالات العادية. سألت الممرضة مين اللي كتب ده؟ قالت وهي بتراجع الورق ده كان موصوف في البيت ومعاها ملاحظات إنها تتاخده كل ليلة. اتجمدت. مين اللي كان بيديها الدوا؟ سكتت لحظة الابن وزوجته حسب الملف اللي وصلنا.
ساعتها حسيت إني ما بقاش عندي دم. رجعت خطوة لورا. كل حاجة بدأت تتجمع زي قطع صورة كانت ناقصة وبقت واضحة فجأة وواضحة بشكل يخوف. تليفون ماجدة اللي اختفى. السكوت اللي جه فجأة. الكلام الكتير عن التعب. والإسعاف اللي اتمنع يدخل البيت. ورحت عند السور الحديد، مسكت في القضبان كأني بحاول أمنع نفسي أتهور. لكن جوه دماغي، كان في صوت واحد بس بيزيد لازم ترجع البيت دلوقتي خرجت من المستشفى وأنا مش حاسس برجليا. الشارع كان عادي عربيات ماشية، ناس بتضحك، طفل بيجري ورا كورة لكن أنا كنت ماشي جوه فيلم صامت.
كل كلمة الدكتور كانت بتتكرر في دماغي تدريجيًا جرعة مهدئ قوي البيت البيت. البيت اللي أنا دفع عمري كله عشان يفضل آمن. ركبت العربية، وفضلت سايق من غير ما أحدد اتجاه في الأول. لكن إيدي كانت رايحة لوحدها ناحية طنطا. ناحية البيت اللي فيه كريم. وأول ما دخلت الشارع، لاحظت حاجة غريبة النور في البيت كان مولع رغم إن الوقت مش متأخر. والستارة اللي فوق اتفتحت لحظة وبعدين اتقفلت بسرعة. كأن حد كان بيراقب. وقفت العربية بعيد شوية. مطفيت النور.
فضلت ساكت. دقيقتين تلاتة لحد ما باب البيت اتفتح. كريم نزل لوحده. واقف على السلم كأنه مستنيني من بدري. ما اتحركش ناحيتي بس ابتسم. ابتسامة قصيرة مش دافئة أقرب لابتسامة واحد عارف إن اللحظة دي هتيجي. قربت منه وأنا نازل من العربية. قلت له بصوت هادي جدًا إنت كنت عارف. رد بسرعة عارف إيه يا بابا؟ إنها كانت بتتسمم. الابتسامة اختفت. بس مش اتفزع بالعكس وشه بقى أهدى. قال إنت راجع تتهمني تاني؟ سكت لحظة، وبص ناحية الشارع كأنه بيقيس المسافة بيننا وبين أي حد ممكن يسمع.
ماما تعبانة والدكاترة قالوا كلام كبير وإنت جاي تهدم البيت بدل ما تطمن عليها. قربت خطوة. أنا شوفت التحاليل. ساعتها عينه اتغيرت. مش خوف غضب مكبوت. وهو بيقرب مني قال تحليل إيه؟ مين اداك التحاليل دي؟ قبل ما أرد، صوت عربية جاية بسرعة وقف عند أول الشارع. بسمة. نزلت وهي بتجري، شعرها مش مرتب زي المرة اللي شفتها فيها فوق وشها كان فيه توتر حقيقي لأول مرة. قالت بسرعة فيه مشكلة؟ في المستشفى حصل حاجة؟
بصيت لها.



