روايات

قصة جديدة

وهنا لاحظت إن بعض الكلمات تحتها خطوط بالقلم الأحمر. لما جمعت الكلمات اللي تحتها خطوط ورا بعض، طلعت جملة غريبة اسألي الحاج منصور. اسم جديد. عمري ما سمعته قبل كده. قعدت أفكر ساعات. لحد ما افتكرت فجأة. الحاج منصور! راجل عجوز كان بييجي عند أمي كل سنة مرة أو مرتين. كان يقعد معاها عشر دقايق ويمشي. ولما كنت أسألها عنه كانت تقول ده راجل أمين. وبس. ولا عمرها شرحت أكتر من كده. بعد يومين سافرت على العنوان.

رحلة كاملة وأنا حاسة إني ماشية ورا خيوط لغز أكبر مني. وصلت منطقة قديمة جدًا. وشارعت ضيق كله بيوت عتيقة. وسألت على الحاج منصور. الناس بصت لبعضها باستغراب. واحد منهم قال الحاج منصور؟ قلت أيوه. سكت ثواني وقال إنتِ تقربي للحاجة فاطمة؟ اتجمدت. فاطمة كان اسم أمي الحقيقي. الاسم اللي مكتوب على الصورة القديمة. قلت بسرعة أيوه… بنتها. الراجل بصلي نظرة طويلة وقال يبقى تعالي معايا. مشيت وراه لحد بيت قديم جدًا. ولما دخلت لقيت راجل كبير في السن قاعد على كرسي خشب.

أول ما شافني وقف بالعافية. وعيونه دمعت. وقال جملة خلت جسمي كله يقشعر أخيرًا… فاطمة نفذت الوعد. وقبل ما أسأله أي حاجة، مد إيده تحت الطاولة وطلع ملف سميك جدًا. وحطه قدامي. وقال الملف ده مستنيكي من أكتر من خمسة وعشرين سنة. ثم فتح أول صفحة فيه… ولقيت شهادة ميلاد قديمة جدًا… لكن الاسم المكتوب فيها ماكانش اسم أمي… ولا اسم أي حد من عيلتنا بصيت للكلمة أكتر من مرة. المخزن رقم 17. لا أعرف مخزن إيه… ولا فين… ولا ليه أمي عمرها ما جابت سيرته.

رفعت الورقة للحاج منصور. أول ما شافها، اتغيرت ملامحه. وقال كنت خايف تسيبلك الورقة دي. سألته بسرعة ليه؟ رد بعد تردد لأن المخزن 17 هو أول مكان هتعرفي منه الحقيقة… والحقيقة عمرها ما كانت سهلة. واحد من الرجالة اللي واقفين قال إحنا ضيعنا وقت كفاية. لكن الحاج منصور تجاهله. وقعد يقلب في الملفات لحد ما طلع مفتاح نحاس كبير. كان عليه رقم 17 محفور بخط واضح. سلمهولي. وقال العنوان موجود جوه الظرف الأحمر… بس أوعي تفتحيه هنا.

خرجت من البيت وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن حياتي القديمة. الرجالة فضلوا واقفين يبصوا عليا. ولا واحد منهم حاول يمنعني. وده كان أغرب من أي حاجة. كأنهم عايزينني أكمل. كأن الطريق ده مرسوم من زمان. في الطريق رجعت أبص في مراية العربية اللي كنت راكباها. وفجأة لمحت عربية بيضاء ماشية ورانا. في الأول قلت صدفة. لكن بعد نص ساعة… كانت لسه ورايا. ولما العربية وقفت عند محطة بنزين… العربية البيضاء وقفت هي كمان.

هنا بدأت أقلق فعلًا. وصلت بلد صغيرة على أطراف المدينة. وهناك فتحت الظرف الأحمر لأول مرة. جواه ورقة واحدة. مكتوب فيها عنوان قديم جدًا. ومعاه جملة قصيرة لو لقيتي المخزن فاضي… يبقى في حد سبقك. قلبي انقبض. ركبت أول مواصلة وكملت. بعد ساعة تقريبًا وصلت لمنطقة كلها مخازن قديمة ومصانع مقفولة. فضلت ألف لحد ما لقيت لوحة معدنية صدية مكتوب عليها 17 الباب كان ضخم ومغبر. واضح إنه متفتحش من سنين. طلعت المفتاح النحاس. وحطيته في القفل.

في الأول ما اتحركش. لفيته تاني بكل قوتي. وفجأة… تك! القفل اتفتح. دفعت الباب. وصوت صريره دوى في المكان كله. دخلت بحذر. كان المخزن مظلم. والتراب مغطي كل حاجة. لكن بعد كام خطوة لمحت حاجة غريبة. في وسط المخزن كانت فيه عربية قديمة جدًا متغطية بمشمع سميك. وجنبها عشرات الصناديق الخشبية المقفولة. وقبل ما أقرب منها… سمعت صوت خافت ورايا. استدرت بسرعة. مفيش حد. لكن الصوت اتكرر. زي صوت أنين. أو حد بيحاول يتكلم. مشيت ناحية الصوت.

لحد ما وصلت لباب صغير في آخر المخزن. الباب كان مستخبي ورا رفوف قديمة. فتحت الباب. ونزلت درجات ضيقة لتحت الأرض. كل ما أنزل درجة، قلبي يدق أسرع. لحد ما وصلت لغرفة صغيرة. وهناك… اتجمدت مكاني. لأن الحائط كله كان متغطي بصور. مئات الصور. صور لأمي. في أعمار مختلفة. وفي أماكن مختلفة. ومع ناس كتير ما أعرفهمش. لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا… إن في نص الحائط كانت فيه صورة حديثة نسبيًا. متصورة من أقل من سنة.

وأمي واقفة فيها. .. وبجانبها شخص كنت متأكدة إني أعرفه كويس جدًا. شخص كنت فاكرة إنه عمره ما قابل أمي في حياته. سامح. أخويا. وكان في إيده نفس الدفتر اللي لقيته فوق السقف الخبطات زادت لدرجة إن البيت كله اتهز. الحاج منصور بص ناحية الباب، وبعدين بصلي نظرة عمري ما هنساها. وقال بسرعة اسمعيني كويس يا بنتي… أيًا كان اللي هيحصل دلوقتي، متسلميش الظرف ده لحد. مسكت الظرف بإيدي بقوة. وقبل ما أسأله، راح ناحية شباك صغير مطل على الشارع.

أول ما بص برّه، وشه اتغير. وقال هما فعلاً.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى