روايات

عمي يونس ١ حكايات زهرة

فجأة، ضوافري خبطت في حاجة ناشفة.. مش حجر.. ده كان خشب! فضلت أحفر بسرعة وض.ربات قلبي بتزيد، لحد ما ظهرت لي حافة صندوق خشب صغير قد علبة السيجار، مدفون بعمق تحت جدر شجرة الجميزة. طلَّعت الصندوق ونفضت عنه الطين، وبصيت حواليا برعب خايف حد يشوفني. خبيته في عب جلابيتي وجريت على الأوضة الفوقانية اللي فوق السطوح. فتحت الصندوق.. والي شفته جوه خلاني أتنفس بصعوبة. مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه كشكول قديم مكتوب بخط إيد صغير ومنظم جداً، كله أرقام ومعادلات ورسومات هندسية.

ورقة رسمية عليها ختم النسر، مكتوب فيها جامعة القاهرة كلية الهندسة شهادة تخرج الطالب يونس رضوان الشناوي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. عقد ملكية أرض قديم جداً، بس الاسم اللي فيه مكنش اسم جدي رضوان.. كان اسم الشيخ كامل، وده كان راجل طيب من أصحاب الأرض الأصليين في العزبة، واختفى من عشر سنين والناس قالت إنه سافر وما.ت بره! وفجأة، لقيت ورقة مطوية مكتوبة بخط عمي يونس، ومكتوب في أولها إلى من يجد هذا بعد مو.تي

أو خلاصي. قريت السطور وأنا جسمي كله بيلتفت من الصدمة أنا مش مجنون. أبويا وأخويا عبد العزيز هما اللي جننوني قدام الناس عشان يداروا جر.يمتهم. لما رجعت من مصر بعد التخرج، اكتشفت إنهم زوروا عقود أرض الشيخ كامل بعد ما ق.تلوه ودفنوه تحت زريبة البهائم.. بالظبط تحت شجرة الجميزة. لما واجهتهم، جدي سممني بمادة بتغيب الوعي، وأخويا ربطني هنا، وكل ما كنت ببدأ أفوق، كانوا بيدوني جرعة تانية عشان أفضل أهذي قدام أهل البلد.. اكتب يا يونس، سيب دليل، لو مت.. الأرض مش هتاكل حق الدم.

دموعي نزلت على الورقة.. عمي يونس، العبقري، المهندس، مربوط جنب البهائم عشان ميتكلمش! وأبويا وجدي.. قتالين ق.تلا! اللحظة الفاصلة.. صدمة لم تخطر على بال بشر! قبل ما أستوعب اللي قريته، سمعت صوت جلبة بره البيت، بس المرة دي مكنتش صوت رجالة العزبة. ده كان قبل ما أستوعب اللي قريته، سمعت صوت جلبة بره البيت، بس المرة دي مكنتش صوت رجالة العزبة. ده كان صوت سراين عربيات شرطة! نزلت جري على السلم، لقيت العزبة كلها واقفة على رجليها. تلات عربيات بوكس أسود وعربيتين ملاكي فخمين وقفوا قدام بيت جدي.

أهل العزبة كلهم اتجمعوا، وأبويا خرج وشه مسود وجدي ساند على عصايته وبيحاول يبتسم ويهدي الوضع: “خير يا فندم؟ في إيه؟ إحنا ناس مزارعين وفي حالنا”. انفتح باب العربية الملاكي، ونزل منها مأمور المركز، ووراه راجل بلبس رسمي، وبعدين.. نزل من الكرسي الورااني راجل لابس بدلة كحلي نضيفة جداً، حلاق دقنه وشعره مصفف، وعينيه الواسعة السودا بتلمع بنفس البريق. عمي يونس! البلد كلها برقت وعملت “أُوفّ” بصوت واحد. أبويا رجع خطوتين لورا ورجله اتخبطت في المصطبة، وجدي رضوان العصاية وقعت من إيده.

عمي يونس مبصش لحد فيهم، بص للمأمور وقال بصوت قوي، ملوش علاقة بالصوت المبحوح اللي سمعته بالليل: “هو ده البيت يا فندم.. وهناك الزريبة وشجرة الجميزة اللي قولت لمعاليك عليها.” المأمور شاور للعساكر: “فتشوا المكان، وهاتوا الفؤوس والبلدوزرات اللي بره!” أبويا صرخ: “فتشوا إيه يا باشا؟ ده واد مجنون وهربان مننا بالليل، انتو بتصدقوا مجانين؟”

هنا تقدم الراجل اللي باللبس الرسمي وقال لأبويا بلهجة صارمة: “مجنون مين يا راجل أنت؟ البشمهندس يونس شغال في المركز القومي للبحوث، ووزارة الري كانت قالبة الدنيا عليه من تلات سنين بعد ما اختفى في ظروف غامضة وهو شغال في مشروع قومي! البشمهندس لما هرب بالليل، مشي كعب داير وسط المطر لحد ما وصل لنقطة الشرطة الرئيسية في البندر، وقابلنا وبلغ عن كل حاجة بالوثائق اللي كان باعتها لزميله في القاهرة قبل خ.طفه!” الحفر تحت الجميزة.. وظهور الحقيقة

البلدوزر بدأ يهد سور الزريبة. أهل العزبة واقفين في ذهول، مفيش حد نطق بكلمة. جدي رضوان قعد على الأرض، ملامحه كبرت ميت سنة في دقيقة واحدة، وأبويا كان بيحاول يهرب من ورا البيت بس العساكر قفلوه وحطوا الحديد في إيده. العمال بدأوا يحفروا تحت شجرة الجميزة.. بالظبط في المكان اللي عمي يونس كان مربوط فيه. بعد حوالي ساعتين من الحفر المستمر وسط ترقب قاتل، واحد من العمال صرخ: “لقينا جثة يا باشا! لقينا عضم وهدوم!”

البلد كلها صرخت.. الحقيقة ظهرت للنور. جثة الشيخ كامل اللي اختفى من سنين، مدفونة تحت جدر الجميزة، تحت السلسلة اللي كان عمي يونس مربوط فيها. عمي كان بيقعد سنين فوق جثة القتيل، وهو الوحيد اللي عارف السر! الخاتمة.. نهاية عائلة وبداية حياة في وسط المعمعة دي، عمي يونس لف عينه وسط الزحمة لحد ما عينه جت في عيني. أنا كنت واقف بعيط وخايف. عمي مشي خطوات ناحيتي، العساكر سابوه يمر. وقف قدامي، ووطى على ركبه لحد ما بقى في طول طول سني.

بصلي وابتسم نفس الابتسامة الخفيفة، بس المرة دي مكنش خايف حد يشوفه. مد إيده ومسح دموعي وقال وعينه مدمعة: “القرصة الفلاحي بتاعتك بالليل.. كانت أحسن لقمة أكلتها في حياتي يا أحمد. لولا قالب الطوب بتاعك، كان زماني مت مدفون جنب الشيخ كامل.” أنا طلعت الصندوق الصغير من عب جلابيتي وادتهوله: “ده بتاعك يا عمي.. أنا حفرت وجبته”. عمي ح.ضني جامد، وبكى لأول مرة بصوت مسموع. اتقبض على جدي وأبويا، والمحكمة حكمت عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بعد ما ثبتت عليهم تهمة الق.تل والتزوير وخ.طف واحتجاز البشمهندس يونس وتغذية عقله بالسموم.

العزبة مأبقتش اسمها “عزبة الجميزة”.. الناس قطعوا الشجرة الملعونة دي من جدرها بعد ما الحقيقة ظهرت. وعمي يونس أخدني أنا وأمي وعشنا معاه في البندر، ودخلني أحسن مدارس، وكل ما كنت بتفوق، كان بيمسك إيدي ويقولي: “العلم هو اللي بيقيد الضلمة يا أحمد.. اوعى تسيب القفل مقفول في وش الحقيقة”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى