
صفحة بعد صفحة كانت ملاحظات عن حياتي أنا. مش حياتنا إحنا. أنا مواعيدي شغلي قراراتي حتى لحظات ضعفي اللي ما قلتهاش لحد. كنت حاسس إن حد عايش جواي وبيسجلني. وفي آخر صفحة كانت الجملة اللي كسـ,ـرتني فعلاً أنا ما كنتش مراتك بس أنا كنت الشاهد الوحيد على إنك كنت بتضيع نفسك، وأنا قررت أسيب لك طريقة ترجع بيها لنفسك حتى لو أنا مش هكون موجودة. وقتها فهمت حاجة غريبة جدًا. هي ما كانتش بس بتخبّي فلوس.
كانت بتخبّي أنا من نفسي. الصندوق وقع من إيدي وأنا قاعد على الأرض في المخزن. والمفتاح التاني اللي جواه لمع فجأة في الضلمة. كأنه لسه مستني الباب اللي هيفتحه. وأنا لأول مرة من سنين ما كنتش عارف أبكي ولا أتنفس قعدت على الأرض في المخزن، والدفتر مفتوح قدامي، والمفتاح التاني في إيدي بيلمع كأنه سخن. مش قادر أقرر أعيط ولا أفكر. كل حاجة جوايا واقفة في نفس اللحظة. رفعت عيني ناحية الصورة تاني وركزت أكتر.
في الخلفية ورا ضهرها وضهري، كان في حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده. باب صغير جدًا في الحيطة. باب مش من أبواب البيت اللي أعرفها. باب شبه اللي بيتحط للعدادات أو حاجات مخفية. قلبي دق. قمت بسرعة، وخرجت من المخزن راكض ناحية الحيطة اللي في الصورة. نفس المكان. نفس العلامة. إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في القفل الصغير اللي في الحيطة. ما كانش بيبان أصلاً غير لما تقرب منه قوي. لفّيت. طقة لكن الصوت ده ما كانش فتح باب عادي.
ده كان صوت كأنه بيوقّظ حاجة ناسية نفسها. الباب اتفتح ببطء. ومن جوه ممر ضيق. مش نور شمس. نور دافي خافت جاي من آخره. وقفت مكاني لحظة. كل إحساس فيا كان بيقول ارجع. لكن في نفس الوقت إحساس تاني كان بيشدني كمل. دخلت. الممر كان ضيق، والجدران فيها صور صغيرة متعلقة. صورتها هي. في كل مرحلة من حياتي تقريبًا. بس في كل صورة كان فيه حاجة مشتركة. هي كانت دايمًا واقفة ورايا مش جنبي. مش في قدامي.
ورغم كده باين إنها هي اللي شايلة كل حاجة. وصلت لآخر الممر. لقيت باب خشب بسيط. مقفول من غير قفل. دفعت الباب بإيدي. اتفتح. وفي اللحظة دي اتسمرت. مش غرفة كنز. مش فلوس. ده كان مكتب صغير مرتب جدًا. وفي النص كرسي. وعليه ظرف مكتوب عليه لما تفهم إنك كنت عايش مش لوحدك افتحه. وقبل ما ألمسه سمعت صوتها. ورايا. هادئ جدًا كنت مستنيك تفهم لوحدك ولا لسه محتاجني أقولك؟اتجمدت مكاني. الصوت كان قريب لدرجة إني حسّيت إن النفس لمس ضهري.
بطّأت التفافتي ببطء شديد كأني بخاف أكتشف إني بتخيل. ولما بصيت كانت هي. واقفة عند باب المكتب، نفس الملامح، نفس الهدوء بس في عينيها حاجة مختلفة. مش ضعف، ومش مرض وعي تقيل، كأنها شايلة سنين زيادة عن اللي عشته أنا. رجعت خطوة لورا وأنا بهمس إنتِ إنتِ إزاي؟ أنا شفت قاطعتني بهدوء شفت إيه؟ مـ,ـوتي؟ سكت. الكلمة نفسها كانت تقيلة على لساني. قربت خطوة واحدة جوه الغرفة، وقالت كنت متوقعني أسيبك تمشي في الطريق لوحدك؟
حاولت أفهم الرسالة الصندوق الصور إنتِ اللي عملتي ده كله؟ هزّت راسها أنا بس سيبت لك الطريق لما تبقى جاهز تشوفه. بصيت حواليا، المكتب، الظرف، الكرسي وكل حاجة بقت فجأة منطقية بشكل مخيف. سألتها بصوت واطي يعني إيه؟ إنتِ كنتي عايشة فين؟ وأنا كنت بمـ,ـوت من غيرك! ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها حزن كنت عايشة في نفس البيت بس مش في نفس الحقيقة اللي إنت كنت شايفها. سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي وقفت الدم في عروقي إنت ما فقدتنيش إنت كنت مش شايفني.
اتخنقت مستحيل أنا كنت معاكي كل يوم! ردت بهدوء كنت معايا بالجسم بس مش بالوعي. الظرف على الكرسي اتحرك لوحده كأنه بينادي. هي بصت له وقالت جوه ده الإجابة اللي هتوجعك بس هتفهمك كل حاجة. رجعت بصتلي تاني السؤال الحقيقي مش أنا مين السؤال إنت مين من غيري؟ إيدي قربت من الظرف، وقلبي بينضـ,ـرب جوا صدري. لأول مرة ما كنتش خايف من الحقيقة. كنت خايف إنها تكون أعمق من قدرتي أستوعبها إيدي لمست الظرف، بس ما فتحتهوش فورًا.
كان تقيل بشكل غريب مش وزن ورق، وزن معنى. رفعت عيني ليها لو أنا ماكنتش شايفك يبقى كل اللي عشتُه كان إيه؟ هي ما ردّتش بسرعة. قعدت على طرف المكتب، بهدوء كأنها كانت مستنيا السؤال ده من زمان، وقالت كان حياة بس مش كاملة. سكتت لحظة، وبعدين كملت زي فيلم بيتعرض بنص شاشة. فتحت الظرف أخيرًا. جواه كان فيه ورقة واحدة، ومفتاح صغير تاني. بس الورقة دي ما كانتش رسالة عاطفية كانت أقرب لتقرير. مكتوب فيها
حالة الوعي غير مكتملة المصدر الأساسي للاستقرار وجود هدى بدونها انهيار إدراكي تدريجي بصيت لها بسرعة إيه الكلام ده؟! أنا مش مريض! هي ردت بهدوء مفيش مرض في إعادة تشغيل. اتسمرت إعادة تشغيل إيه؟! قامت وقفت قدامي إنت فاكر إنك فقدتني لكن الحقيقة إنك كنت على وشك تفقد نفسك. قربت خطوة وقالت أنا كنت مرساة. قلبي دق بسرعة مرساة إزاي يعني؟ رفعت إيديها على صدري بخفة كل مرة كنت بتضيع في شغلك في قسوتك في عزلتك كنت برجعك لنقطة الاتزان.
سكتت لحظة، وبصت في عيني ولما تعبت النظام اللي جواك بدأ يفقد توازنه. حسّيت إن الأرض بتسحبني تاني، بس المرة دي مش مكان إحساس. قلت بصوت مكسور يعني إنتي مش شخص؟ إنتي إيه بالظبط؟ هي ابتسمت ابتسامة حزينة أنا الجزء اللي كنت بتتجاهله فيك واتجسّد قدامك علشان تفهمه. المفتاح التاني اللي في الظرف بدأ يلمع. والغرفة حواليّا بدأت تهتز بشكل خفيف. هي بصت للمفتاح وقالت آخر خطوة يا تختار ترجع زي ما كنت، وتنساني للأبد يا تكمل وتبقى نسخة واعية من نفسك بس من غير أوهام.
سكتت لحظة. وبعدين قالت وأنا مش هكون موجودة في أي اختيار. الفراغ اللي سابته الجملة دي كان أقسى من أي حقيقة. إيدي كانت بين المفتاح وبينها المفتاح كان في إيدي، تقيل كأنه بيشدني ناحيته وناحيتها في نفس الوقت. سكت لحظة، وقلبي بيخبط بعشوائية، كأني واقف على حافة حاجة مش هترجع زي ما كانت. بصيت لها يعني في كل الأحوال هتختفي؟ هزّت راسها بهدوء مش هختفي أنا هتوقف عن إنّي أكون محتاجة أظهر. الجملة كانت غريبة لكنها أقرب للحقيقة من أي حاجة سمعتها قبل كده.
المكان حواليّا بدأ يهدى، كأن الاهتزاز اللي كان حاصل بيرجع يتسحب تاني لجوه الأرض. المفتاح بدأ يضيء أكتر. والصوت جوايا كان لأول مرة هادي، مش بيصرخ ولا بيهرب. بس بيسأل سؤال واحد إنت عايز إيه؟ بصيت للمفتاح وبعدين ليها. وقلت بصوت واطي أنا مش عايز أرجع زي ما كنت ولا عايز أمشي من غيرك. هي ابتسمت ابتسامة خفيفة مفيش اختيار بيرضي الاتنين. سكت. وقررت. حطيت المفتاح على الترابيزة بدل ما أستخدمه. اتسمرت في مكانها إنت عملت إيه؟
قلت بهدوء لأول مرة لو أنا محتاج أكون واعي يبقى لازم أختار بعقلي مش بخوفي. بصيت في عينيها وأنا اختارتك جزء من الحقيقة مش وهم ومش أداة. سكت المكان كله. حتى الضوء. وبعدين المفتاح وقع لوحده، واتفتح الظرف بالكامل من غير ما ألمسه. جواه كانت الصفحة الأخيرة الوعي الحقيقي لا يُخلق بالاختيار بين طرفين بل بقبول أن الطرفين كانوا جزءًا منك. رفعت عيني بسرعة لقيت الغرفة بدأت تتغير. الجدران اختفت واحدة واحدة والمكتب اتسحب وكل حاجة بقت بياض ناعم.
هي بدأت تبهت. لكن قبل ما تختفي بالكامل قربت خطوة وقالت لما تبطل تدور عليّا ككيان هتلاقيني في قراراتك. وابتسامتها الأخيرة كانت أهدى حاجة شفتها. وبعدين اختفت. بس مش كغياب. كامتداد. المكان كله سكن. والمفتاح في إيدي اتقسم لنور صغير جوه صدري. ولأول مرة ما كنتش حاسس إنّي فقدت حاجة. كنت حاسس إنّي فهمت حاجة البياض اللي كان مالي المكان بدأ يهدى تدريجيًا، كأنه بيرجع يتكوّن من جديد مش بيختفي. فتحت عيني تاني ولقيت نفسي واقف في نفس الشقة.
نفس المخزن. نفس الهدوء. بس كل حاجة كانت أهدى بشكل مختلف هدوء مش فيه فراغ، فيه امتلاء غريب. المفتاح اللي كان في إيدي ما بقاش مفتاح حديد. بقى إحساس صغير ثابت في صدري. قعدت على الأرض ببطء. بصيت حواليا. الصندوق كان لسه مفتوح لكن فاضي. لا ورق، لا صور، لا أي حاجة. بس على طرفه الداخلي كان فيه جملة محفورة كنت ماخدتش بالي منها قبل كده اللي بيشوف الحقيقة ما بيرجعش زي ما كان، لكنه بيكمل بشكل أصدق.
ابتسمت من غير ما أحس. وفجأة صوت خفيف جا من برّه الشقة. مفتاح بيتحط في الباب. وقفت بسرعة. الباب اتفتح. ودخلت واحدة من ولادي. بصتلي باستغراب مالك قاعد في الضلمة ليه؟ سكت لحظة. وحسّيت إنّي لأول مرة شايفها بوضوح مش بعيني بس، بوعيّي كله. ابتسمت وقلت مفيش بس كنت بضيع حاجة وبلاقيها. هي بصّتلي، وضحكت إيه يعني؟ قمت بهدوء وقلت نفسي. سكتت ثواني. وبعدين مشيت جوه عادي، كأن مفيش حاجة اتغيرت. لكن أنا كنت عارف إن كل حاجة اتغيرت.
بقيت أسمع اللي ما كنتش بسمعه. وأشوف اللي ما كنتش شايفه. وأختار من غير ما أهرب من نفسي. وقبل ما أقوم أكمل يومي بصيت على إيدي فاضيه. المفتاح ما بقاش موجود. بس لأول مرة ما كنتش محتاجه قمت من على الأرض بهدوء، كأنّي بتعلّم أقف من جديد من غير استعجال. الشقة كانت زي ما هي، بس إحساسي بيها اختلف الحيطان نفسها بقت أبسط، أقل ضغط، كأنها مش شاهدة على صراع جوه دماغي زي الأول. دخلت المطبخ.
الضوء داخل من الشباك كان عادي، لكن أنا شايفه بشكل مختلف. فتحت التلاجة وقفت لحظة. الأكل، الميه، التفاصيل الصغيرة كلها كانت بتقول إن الحياة مكملة من غير ما تستأذن وجعي. سمعت صوت في الخلف هتقوم ولا هتقعد كده طول اليوم؟ بصيت. كان صوتها أو يمكن صدى الصوت اللي اتعودت عليه لدرجة إنه بقى جزء مني. ابتسمت بهدوء، من غير ما أدور على مصدره هقوم. وقمت فعلًا. بس المرة دي مش علشان أهـ,ـرب من حاجة. ولا علشان ألحق حاجة.
علشان أعيشها. فتحت باب الشقة. الهوا اللي دخل كان بسيط، لكنه خفف حاجة تقيلة جوايا. وقبل ما أنزل السلم لقيت نفسي واقف لحظة قدام الباب من جوه. كأني بسأل نفسي سؤال أخير هو اللي فات كان وهم؟ ولا تجربة؟ ومفيش صوت جاوب. بس في إحساس واضح إن السؤال نفسه ما بقاش مهم زي الأول. نزلت السلم. صوت الناس تحت، حركة الشارع، حتى الضوضاء كل ده ما بقاش يضغط عليّا. بقى مجرد حياة. ولأول مرة من سنين
مش شايف نفسي ضايع وسطها. شايف نفسي جزء منها. ويمكن ده كان كل اللي محتاج أفهمه من البداية نزلت الشارع بخطوات هادية، مش مستعجلة ومش مترددة. الهواء كان أبرد شوية من اللي متعود عليه، بس للمرة دي ما حسّيتش إنه بيشدني لورا بالعكس، كان كأنه بيفتح مساحة قدامي. وقفت عند أول ناصية. العربيات ماشية، الناس رايحة جاية، صوت الحياة شغال زي ما هو من غير ما يستنى حد يفهمه. طلعت تليفوني من جيبي. من غير سبب واضح فتحت الصور.
وقفت عند صورة قديمة. أنا وهي. نفس اللي شفتها قبل كده. بس المرة دي ما حسّيتش بصدمة ولا سؤال كبير. حسّيت بحاجة أبسط امتنان. قفلت الشاشة بهدوء. وفي اللحظة دي، موبايل رن. رقم غريب. وقفت مكاني. بصيت للشاشة. رديت. صوت هادي جه وصلت؟ سكت لحظة. مش صوتها. ومش صوت طارق. صوت حد تاني غريب، لكنه مألوف بشكل مزعج. سألت وصلت إيه؟ الرد جه بعد ثانية المرحلة اللي بعد الفهم. بصيت قدامي في الشارع. الناس ما زالت ماشية عادي.
لكن أنا حسّيت إن في حاجة خفيفة اتغيرت في الإيقاع حواليّ. كأن الحياة نفسها بتستعد لطبقة أعمق. قلت بهدوء وأنا مطلوب مني إيه دلوقتي؟ الصوت رد ما تتدخلش بس تلاحظ. وسكت. المكالمة قطعت. وقفت مكاني شوية. وبعدين ابتسمت ابتسامة بسيطة. مش خوف. مش حيرة. بس وعي جديد إن اللي فات ما كانش نهاية حاجة كان بداية طريقة مختلفة في رؤية نفس العالم. ولأول مرة ما جريتّش ورا الإجابة. مشيت بس وأنا باخد بالي كملت مشي في الشارع، بس المرة دي ما كنتش بتمشي وخلاص كنت كأني بتفرّج على الدنيا وهي شغالة قدامي طبقة طبقة.
كل حاجة فيها بقت أوضح، مش بمعنى إنها أبسط، بالعكس كأن التفاصيل اللي كنت بتفوتني زمان بقت بتبان لوحدها. واقف عند إشارة المرور، لقيت طفل بيشد إيد أمه عشان يوريها حاجة في السما. ضحكت من غير ما أحس. بس في نفس اللحظة الموبايل في جيبي اهتز. رسالة. من نفس الرقم المجهول. بص على اللي مش بيبص عليك. رفعت عيني تلقائيًا. بصيت حواليا. ناس ماشية، عربيات، صوت عادي. لكن في واحد واقف على الناصية التانية. ما بيتحركش.
ما بيبصش في موبايله زي الباقي. عينه عليّا أنا. وقفة ثابتة، كأنّه كان مستنيني من بدري. حسّيت برودة خفيفة في ظهري. بس المرة دي ما جريتش. ما استخبيت. بس ثبت مكاني. هو ابتسم. ابتسامة بسيطة جدًا مش تهديد، ومش طمأنة. أقرب ل فهم. وبعدها، رفع إيده ببطء، كأنه بيحييني. وبعدين مشي. اختفى وسط الزحمة كأنه جزء منها. وقتها بس، حسّيت إن الرسالة اللي جاتلي مش تحذير كانت تعريف. تعريف إن في مستوى جديد من الملاحظة بدأ يشتغل.
كمّلت المشي. بس المرة دي كنت شايف إن العالم مش بس بيتشاف ده كمان بيشوفني وقفت لحظة عند آخر الشارع، مش علشان تعبت لكن علشان الإحساس الجديد كان محتاج يتفهم. إن العالم بيشوفني دي فكرة غريبة، مش مرعبة، لكن تقيلة على العقل. كملت المشي ناحية الكورنيش. المية كانت هادية بشكل غير معتاد، كأنها بتعكس السماء بدون تشويش. قعدت على سور البحر. طلعت نفس عميق. وفي اللحظة دي لقيت حاجة غريبة. مش في الشارع. في نفسي.
الإحساس اللي كان بيجيلي من قبل القلق، التوهان، الأسئلة الكتير ما بقاش موجود بنفس الطريقة. ما اختفاش. بس بقى بعيد. كأنه بقى صوت حد تاني مش أنا. الموبايل رن تاني. بس المرة دي ما رديتش بسرعة. بصيت للشاشة. نفس الرقم. سكت لحظة وبعدين رديت. الصوت جه إنت بدأت تلاحظ. سألت بهدوء تلاحظ إيه بالظبط؟ الرد كان أبسط من كل اللي فات إنك مش لوحدك في اللي انت فاكره تفكير. سكت. وبعدين كمل في ناس بتصحى وناس بتكمل نومها وناس بتراقب اللي بين الاتنين.
بصيت حواليا. مفيش حاجة واضحة. بس لأول مرة، حسّيت إن الاختلاف مش في المكان بل في طريقة القراءة. سألت وإنتوا مين؟ الصوت رد بعد لحظة إحنا مش جهة إحنا نمط. وسكت. وبعدين أضاف وإنت دلوقتي بدأت تبقى جزء منه مش علشان اخترت، لكن علشان فهمت. وقبل ما أتكلم الخط فصل. قعدت على السور تاني. بصيت للمية. ولأول مرة ما سألتش ليه أنا؟ سألت سؤال مختلف دلوقتي ألاحظ إيه الأول؟ وفي اللحظة دي شفت نفس الشخص اللي كان في آخر الشارع.
واقف بعيد. بس المرة دي مش بيبص عليّا. كان بيبص للبحر. كأنه بيستنى حاجة تطلع منه قفلت عيني لحظة ورجعت فتحتها تاني. هو لسه واقف. نفس الشخص. بس في حاجة اتغيرت في إحساسي نحوه ما بقاش مراقِب ليّا بقى مستني زيي. قمت من على السور وقرّبت خطوة خطوة ناحية البحر. وهو ما اتحركش. لحد ما بقيت على مسافة تسمح لي أشوف ملامحه بوضوح. وش عادي مفيهوش أي حاجة ملفتة، بس عينه كانت غريبة مش مركزة على حاجة بعينها، كأنه شايف حاجة أوسع من المشهد كله.
سألت بهدوء إنت كنت بتبص عليّا ليه؟ رد من غير ما يبصلي ما كنتش ببص عليك. سكت لحظة. وبعدين كمل كنت ببص لرد فعلك. قطّبت رد فعلي على إيه؟ أشار ناحية البحر. بصيت. المية كانت هادية هدوء زيادة عن الطبيعي. لكن فجأة



