وصلها إشعار على هاتفها. المرسل والدها. لكن والدها كان مسافرًا منذ أسبوع في رحلة عمل، ومن المفترض أنه خارج نطاق الاتصال. فتحت الرسالة بسرعة. لم يكن فيها سوى سطر واحد افتحي الخزنة الآن… الوقت انتهى. تجمدت في مكانها… لأن الرسالة أُرسلت قبل أقل من دقيقة، بينما هاتف والدها كان مغلقًا منذ أيام، وهذا يعني أن المصيبة الحقيقية لم تبدأ بعد تحرك الموكب قبل الصفحة 3 شروق الشمس. سيارتان للحراسة في المقدمة، وسيارة ريجينا في المنتصف، وأخرى خلفها.
الطريق إلى المصنع القديم كان مهجورًا، تحيط به أراضٍ واسعة ومبانٍ أغلقتها السنوات. ظل رئيس الأمن يراقب الطريق عبر الجهاز اللاسلكي، ثم قال فجأة في عربية سودا ماشية ورانا من أول ما خرجنا. نظرت ريجينا في المرآة. كانت السيارة تحافظ على نفس المسافة، لا تقترب ولا تبتعد. قالت بهدوء ما حدش يتصرف… خلوها تفتكر إننا ما أخدناش بالنا. بعد دقائق، دخل الموكب طريقًا ترابيًا ضيقًا يؤدي إلى المصنع. وفجأة… انحرفت السيارة السوداء إلى طريق آخر واختفت.
تنفس الجميع الصعداء، لكن ريجينا لم تشعر بالاطمئنان. قالت دي كانت بتراقبنا… مش بتهاجمنا. وصلوا إلى بوابة المصنع. كانت السلاسل الحديدية ما زالت في مكانها، لكن القفل كان مكسورًا حديثًا. انحنى أحد أفراد الأمن يتفحصه، ثم قال في حد دخل قبلنا بساعات. تبادل الجميع النظرات. دخلوا بحذر. المصنع كان مليئًا بالغبار، والماكينات العملاقة متوقفة منذ سنوات، لكن آثار أقدام حديثة كانت واضحة على الأرض. تتبعتها ريجينا حتى وصلت إلى مكتب الإدارة القديم. دفعت الباب. وجدت المكتب كما تركه الزمن…
إلا شيئًا واحدًا. الخزنة الحديدية كانت مفتوحة. اقتربت بسرعة. كانت فارغة. شعرت أن قلبها هبط. قال رئيس الأمن إحنا اتأخرنا. لكن أحد الحراس نادى من آخر الغرفة يا فندم… تعالوا شوفوا ده. اتجه الجميع نحوه. كان يقف أمام جدار خشبي قديم. وراءه باب سري صغير. فتحوه بحذر. نزلوا درجات ضيقة تؤدي إلى غرفة تحت الأرض. الغرفة كانت مجهزة بطريقة حديثة، كأن أحدًا كان يستخدمها حتى وقت قريب. وفي منتصفها… طاولة كبيرة عليها خرائط وملفات وشاشات مراقبة.
وعلى الحائط لوحة ضخمة مليئة بصور وأسماء. تقدمت ريجينا خطوة… ثم تجمدت. في منتصف اللوحة كانت صورتها. حولها عشرات الخطوط الحمراء التي تصلها بأسماء كثيرة… ليوناردو. أمبارو. داريو. المحامي. وعدد من رجال الأعمال. لكن أكثر ما صدمها… أن صورة والدها كانت عليها علامة كبيرة مكتوب تحتها مفقود… آخر ظهور منذ 72 ساعة. همست وهي تكاد لا تصدق يعني… بابا مش مسافر. رد رئيس الأمن بقلق يبقى الرسالة اللي وصلتك كانت حقيقية… لكنه في خطر. وفي تلك اللحظة، أضاءت إحدى الشاشات وحدها.
ظهر عليها بث مباشر لرجل يجلس على كرسي في مكان مجهول. كان وجهه في الظل. قال بصوت هادئ أخيرًا وصلتي يا ريجينا… كنت واثق إنك هتلاقي الغرفة. سادت لحظة صمت. ثم أكمل لو عايزة تنقذي والدك… لازم تلتزمي بكل خطوة هقولها. أي محاولة للاتصال بالشرطة أو الخروج من المصنع… هتضيع الفرصة الوحيدة لإنقاذه. نظر أفراد الأمن إلى ريجينا في انتظار قرارها… بينما كانت تدرك أن اللعبة دخلت مرحلة أخطر بكثير، وأن كل خطوة من الآن قد تحدد مصير والدها رفعت ريجينا يدها في هدوء، وأشارت إلى رئيس الأمن ألا يفتح الباب.
ثم همست شغّل الخطة الاحتياطية. ضغط الرجل زرًا صغيرًا في ساعة يده، فانزلقت خلف مكتبة ضخمة ألواح فولاذية سميكة أغلقت مدخل المكتب بالكامل. في اللحظة نفسها، دوّى صوت ارتطام قوي بالباب الخارجي. قال الصوت من الخارج ببرود كنت متوقع إنها هترفض. ثم عمّ الصمت. مرّت دقيقة كاملة… ولا حركة. نظر رئيس الأمن إلى شاشة المراقبة الداخلية التي ما زالت تعمل، ثم عقد حاجبيه. غريب… سألته ريجينا في إيه؟ قال وهو يقرّب الصورة الشخص اللي كان واقف قدام الباب… اختفى.
وقبل أن تكمل كلامها، رن هاتف رئيس الأمن. رد بسرعة، لكن ملامحه تبدلت فجأة. إيه؟! إزاي؟ أغلق الخط والتفت إليها. المصيبة أكبر مما توقعنا. اتكلم. الانفجار اللي حصل في القصر… ليوناردو وأمه نجوا منه. صمتت ريجينا للحظة. إزاي؟ لأنهم خرجوا قبل الانفجار بدقائق… لكن داريو اختفى، ومحدش عارف إذا كان حي ولا لأ. في تلك اللحظة، أصدر الحاسوب صوتًا. ظهرت رسالة جديدة على الشاشة. لم يلمس أحد لوحة المفاتيح. كُتب فيها إذا كنتِ ترين هذه
الرسالة، فاعلمي أن الملفات ليست كاملة. ثم ظهر مجلد مخفي لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ. فتحت ريجينا المجلد. وجدت تسجيل فيديو قصير. ضغطت تشغيل. ظهر والدها جالسًا داخل هذا المكتب نفسه. قال بهدوء ريجينا… لو وصلتي للفيديو ده، يبقى في حد خان العائلة من الداخل. متصدقيش أي ورقة قبل ما تتأكدي بنفسك، ومتدوريش على الحقيقة في قصر أمبارو… الحقيقة موجودة في المصنع القديم. توقفت الصورة فجأة. ثم ظهرت لقطة لبوابة حديدية صدئة تحمل اسم أحد مصانع العائلة المغلقة منذ خمسة عشر عامًا.
وقبل أن تستوعب ما رأت… وصل اتصال جديد. هذه المرة من رقم ليوناردو نفسه. نظرت إلى الشاشة في صمت. قال رئيس الأمن ما ترديش. لكنها ضغطت زر الإجابة. جاءها صوت ليوناردو متوترًا على غير عادته ريجينا… اسمعيني كويس. في ناس بتحاول تخلص مني ومنك. لو سبقونا للمصنع القديم… كل حاجة هتضيع. وقبل أن ترد… انقطع الاتصال فجأة، وتلاه صوت إطلاق نار بعيد، ثم عمّ الصمت من جديد. نظرت ريجينا إلى رئيس الأمن، وقالت بحزم جهزوا العربيات… هنروح المصنع قبل أي حد.
ولم تكن تعرف أن الطريق إلى المصنع كان يخفي سرًا سيغيّر كل ما كانت تؤمن به عن عائلتها، وأن الخطر الحقيقي لم يكن داخل القصر… بل في المكان الذي أُغلق منذ سنوات انطلقت أوامر ريجينا بسرعة وحسم. اقفلوا كل المداخل… محدش يطلق طلقة إلا لو اضطر. تحرك رجال الأمن في ثوانٍ، وأغلقوا الأبواب الحديدية، بينما راقب آخرون الكاميرات المنتشرة حول المصنع. ظهر على إحدى الشاشات موكب من سيارات الدفع الرباعي يتوقف أمام البوابة. خرج منها رجال يرتدون ملابس سوداء وخوذات واقية، لكن الغريب أنهم لم يبدؤوا الهجوم.
تقدم أحدهم وحده، ورفع قطعة قماش بيضاء في إشارة واضحة أنه يريد التفاوض. تعجب رئيس الأمن. دي أول مرة أشوف مجموعة جاية بالطريقة دي. قالت ريجينا افتحوا الصوت الخارجي. ضغط أحد الفنيين زر الاتصال. جاء صوت الرجل من الخارج عبر مكبرات الصوت إحنا مش جايين نحارب… إحنا جايين نحمي الآنسة ريجينا. نظر الجميع إلى بعضهم في دهشة. تقدم الرجل الغامض الذي كان داخل المصنع وقال بسرعة متصدقهوش… هيحاول يدخل بأي طريقة.



