لكن قبل أن تكمل ريجينا التفكير، ظهر على شاشة أخرى مشهد جديد. سيارة سوداء فاخرة توقفت بعيدًا عن البوابة. نزل منها ليوناردو. كان وحده، بلا حراسة. رفع يديه للأعلى حتى يثبت أنه غير مسلح، ثم طلب السماح له بالدخول. قال رئيس الأمن باستغراب هو بنفسه! سادت لحظات من التوتر. لم يكن واضحًا إن كان قد جاء ليستدرجهم… أم ليحذرهم. وفجأة… اهتزت الأرض تحت أقدامهم. ليس انفجارًا… بل صوت محركات ضخمة قادمة من الجهة الخلفية للمصنع.
أسرع أحد الحراس إلى الكاميرات الخلفية، ثم صاح يا فندم… في حفارات ومعدات تقيلة داخلة من السور الخلفي! تجمدت ريجينا. حفارات؟ رد الحارس واضح إنهم مش جايين يقتحموا… جايين يهدموا المصنع كله. ساد الصمت. إذا انهار المصنع… ستُدفن الغرفة السرية بكل ما فيها من ملفات وأدلة، وقد يضيع أي أثر يقود إلى والدها. نظرت ريجينا إلى الخرائط المعلقة على الجدار، ثم إلى الرجل الغامض. سألته بحزم قول الحقيقة… إيه اللي موجود تحت المصنع لدرجة إن حد مستعد يهدم المكان بالكامل؟
أطرق الرجل رأسه لثوانٍ، ثم قال تحت المصنع مش مجرد مخزن… فيه أرشيف كامل يوثق ملكية شركات وعقارات بمليارات، ووثائق تثبت حقوق عائلات كتير. لو اتدمر، مش هتضيع الأدلة بس… هتضيع حقوق ناس أبرياء. في تلك اللحظة، دوى أول صوت ارتطام من الجهة الخلفية. بدأت الجدران تهتز، وتساقط الغبار من السقف. أدركت ريجينا أن الوقت لم يعد يُقاس بالدقائق… بل بالثواني ساد الصمت داخل الغرفة السرية. كل الأنظار اتجهت إلى الشاشة. قال الرجل المجهول بصوت ثابت
قبل أي حاجة… أبعدي رجال الأمن عن الأجهزة. لم تتحرك ريجينا. اكتفت بالنظر إليه في هدوء. ثم قالت لو كنت فعلًا عايزني أنقذ والدي، هتثبت الأول إنه لسه بخير. ساد صمت قصير. وبعد ثوانٍ، انطفأت الشاشة. ثم ظهر بث جديد. غرفة بسيطة، إضاءتها خافتة. رجل يجلس على مقعد، ويداه غير مقيدتين، لكنه بدا مرهقًا. رفعت ريجينا يدها على فمها. بابا… كان والدها بالفعل. نظر إلى الكاميرا وقال بهدوء أنا بخير… متخافيش عليّ. وقبل أن يكمل، انقطع البث.
عاد الرجل المجهول للظهور. اطمنتي؟ ردت بثبات عايز إيه؟ قال في درج المكتب اللي وراك مفتاح نحاسي. فتحت الدرج بحذر. وجدت المفتاح فعلًا. دلوقتي افتحي الباب اللي في آخر الممر. تبادل رجال الأمن النظرات. همس رئيس الأمن إحنا مش عارفين هو بيقودنا على إيه. قالت ريجينا ولا هو يعرف إننا مش هنمشي من غير احتياط. قسمت الفريق إلى مجموعتين. مجموعة بقيت في الغرفة تراقب الشاشات. ومجموعة تحركت معها نحو نهاية الممر. وصلوا إلى باب حديدي قديم.
أدخلت المفتاح. دار القفل بصعوبة. انفتح الباب ببطء… لتظهر قاعة واسعة مليئة بصناديق خشبية قديمة. لكن المفاجأة لم تكن الصناديق. بل الرجل الذي كان يقف في منتصف القاعة. كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ورافعًا يديه في هدوء ليؤكد أنه لا يحمل سلاحًا. قال بابتسامة خفيفة أخيرًا اتقابلنا يا آنسة ريجينا. أشار رئيس الأمن إلى الحراس، فوجهوا أسلحتهم نحوه. لكن الرجل لم يبدُ خائفًا. قال لو كنت عايز أؤذيكم… ما كنتش استنيتكم تدخلوا لحد هنا. سألته ريجينا
أنت مين؟ أخرج بطاقة تعريف من جيبه، ووضعها على أقرب صندوق، ثم ابتعد عنها خطوة. التقطها أحد الحراس وسلمها لريجينا. ظلت تقرأ الاسم لثوانٍ. ثم رفعت رأسها بذهول. الاسم كان مألوفًا جدًا… إنه نفس الاسم الذي قرأته في ملفات والدها منذ ساعات، لكن بجواره كانت ملاحظة بخط والدها تقول إذا احتجتِ إلى حليف، فابحثي عنه أولًا. نظر الرجل إليها وقال بهدوء والدك كان يتوقع إنك توصلي لهنا… وطلب مني أحميك لحد ما الحقيقة كلها تظهر.
وقبل أن تتمكن من سؤاله عن مكان والدها، دوى صوت صفارات إنذار في أنحاء المصنع كله. أضاءت لمبات حمراء في السقف. وانطلق صوت آلي يقول تحذير… تم رصد مجموعة مسلحة تقترب من البوابة الرئيسية… الوقت المتبقي لوصولها خمس دقائق. أمسك رئيس الأمن بجهازه اللاسلكي، ثم قال بقلق المكان بقى محاصر… واللي جايين عددهم كبير. شدت ريجينا قبضتها، ونظرت إلى الرجل الغامض. ثم قالت بحزم مفيش وقت للأسئلة… من دلوقتي، كل دقيقة هتفرق بين إنقاذ والدي… أو ضياع كل شيء سقطت قطعة من السقف على بعد خطوات من ريجينا.
اندفع أحد الحراس ليبعدها، بينما دوى ارتطام آخر جعل الجدران ترتجف. قال رئيس الأمن بسرعة مش هنقدر نصمد كتير… لازم نخرج. لكن ريجينا هزت رأسها بقوة. مش قبل ما ناخد كل الأدلة. التفتت إلى الرجل الغامض. فين الأرشيف؟ أشار إلى نهاية القاعة، حيث كانت تقف خزانة معدنية ضخمة. اقترب منها، وأدار مقبضًا مخفيًا. فجأة تحركت الخزانة ببطء، كاشفة عن مصعد صغير ينزل إلى مستوى أعمق تحت الأرض. قال الأرشيف الحقيقي تحت. نزلت ريجينا ومعها رئيس الأمن ورجلان فقط، بينما بقي باقي الفريق في الأعلى لتأمين المكان.
وصلوا إلى قاعة واسعة مليئة بخزائن فولاذية مرقمة. وفي منتصف القاعة… كانت توجد غرفة زجاجية محكمة الإغلاق. داخلها عشرات الصناديق المقاومة للحريق، وخوادم إلكترونية ما زالت تعمل. قال الرجل الغامض هنا كل النسخ الأصلية. بدأ الفريق يجمع وحدات التخزين والملفات في حقائب خاصة. وفجأة… رن جهاز الإنذار داخل الغرفة. ظهر على الشاشة تم فتح المدخل الرئيسي. رفع رئيس الأمن جهازه اللاسلكي. فريق واحد… ردوا. … لا إجابة. كرر النداء. ما زال الصمت. نظر إلى ريجينا وقال بقلق
الاتصال انقطع مع اللي فوق. في اللحظة نفسها، انفتح باب المصعد ببطء. تجمد الجميع. أشهر الحراس أسلحتهم نحو الباب. لكن الخارج لم يكن أحدًا يحمل سلاحًا. خرج رجل في الستين من عمره، تبدو عليه آثار الإرهاق، وثيابه مغطاة بالغبار. ما إن وقعت عين ريجينا عليه حتى شهقت بابا! اندفعت نحوه، لكنه رفع يده بهدوء. متقربيش… اتأكدي الأول. توقف الجميع. ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال إيه اسم الكلبة اللي جبناها ليكي وإنتِ عندك عشر سنين؟ اغرورقت عينا ريجينا بالدموع.
لونا… ابتسم والدها لأول مرة. عرفت إنك لسه فاكرة. أسرعت إليه واحتضنته بقوة. قال بصوت متعب مفيش وقت… لازم نمشي حالًا. سألته مين كان محتجزك؟ نظر إليها لحظة، ثم قال ناس كانت عايزة تستولي على الأرشيف… لكن الأهم دلوقتي إننا نطلع من هنا. قبل أن يسأل أحد سؤالًا آخر… انطفأت الأنوار بالكامل. ودوى صوت انفجار جديد في الأعلى. ثم سُمع صوت انهيار ضخم، أعقبه غبار كثيف ملأ الممرات. صرخ أحد الحراس السقف الرئيسي بدأ ينهار!
أمسك والد ريجينا بيدها وقال بحزم في مخرج قديم محدش يعرفه غيري… لكن لو اتأخرنا دقيقة واحدة، هيتقفل علينا للأبد. وأسرع الجميع خلفه في ممر ضيق، بينما كانت أصوات الانهيارات تقترب منهم خطوة بعد أخرى، وكأن المصنع كله ينهار فوق رؤوسهم ركض الجميع خلف والد ريجينا داخل الممر الضيق، بينما كانت أصوات الانهيارات تقترب أكثر فأكثر. بعد دقائق بدت كأنها ساعات، وصلوا إلى باب حديدي قديم يقود إلى خارج المصنع. خرجوا واحدًا تلو الآخر، وما إن ابتعدوا عشرات الأمتار حتى انهار المبنى بالكامل خلفهم، وارتفعت سحابة ضخمة من الغبار.
وقفت ريجينا تنظر إلى المصنع الذي اختفى تحت الركام، ثم قالت بهدوء كانوا فاكرين إنهم دفنوا الحقيقة. ابتسم والدها وقال الحقيقة عمرها ما كانت في المبنى… كانت في النسخ اللي خرجت معانا. فتح رئيس الأمن الحقائب ليتأكد من محتوياتها. كانت جميع وحدات التخزين والوثائق الأصلية سليمة. وفي صباح اليوم التالي، عقد والد ريجينا مؤتمرًا صحفيًا حضره ممثلو الجهات المختصة، وسلّمهم كل الأدلة والوثائق والتسجيلات، بما فيها التسجيل الذي كشف خطة التخلص من ريجينا والاستيلاء على شركات العائلة.
بدأت التحقيقات رسميًا، وتم التحفظ على جميع الممتلكات محل النزاع إلى أن تنتهي الإجراءات القانونية، كما استُدعي كل من ورد اسمه في الملفات للإدلاء بأقواله. أما ليوناردو، فقد وقف أمام المحققين صامتًا. أدرك أن الطمع الذي سمح له بالانجراف إليه دمّر مستقبله وسمعته، ولم يعد يملك ما يدافع به عن نفسه. ونظرت ريجينا إليه للمرة الأخيرة وقالت أنا مش فرحانة بسقوط حد… أنا فرحانة إن الحقيقة ظهرت قبل ما يضيع حق أي إنسان. بعد أشهر، استعادت العائلة إدارة شركاتها بصورة قانونية، وأُعيدت الحقوق إلى أصحابها وفق ما أثبتته الوثائق.
أما ريجينا، فلم تعد تهتم بالمظاهر أو حفلات القصور. أنشأت مؤسسة لدعم الشباب ورواد الأعمال، وخصصت جزءًا من أرباح شركاتها لتطوير أنظمة السلامة والأمن وحماية الوثائق المهمة، حتى لا تمر أي عائلة بما مرت به. وفي يوم افتتاح المؤسسة، سلّمها والدها مفتاحًا قديمًا كان يحتفظ به منذ سنوات. ابتسم وقال زمان كنت فاكر إن القوة في الخزائن المقفولة… لكن اتعلمت إن القوة الحقيقية في الشخص الأمين اللي يحافظ على الحق. ابتسمت ريجينا وهي تنظر إلى شروق الشمس، وقد شعرت لأول مرة منذ زمن طويل بالطمأنينة.
فقد خسرت حفل زفاف… لكنها ربحت حياتها، وأنقذت والدها، وحمت إرث عائلتها، وأثبتت أن العدل قد يتأخر… لكنه لا يضيع أبدًا. تمت.



